منتدى شبكة الأوائل : الاوائل
التسجيل
قائمة الأعضاء
التقويم
التعليمـــات
مشاركات اليوم
منتدى شبكة الأوائل : الاوائل
خيارات سريعة
 

 شبكة الاوائل |  مكتبة البرامج | مكتبة الكتب | مكتبة الدورس | العاب فلاش | مكتبةالأفلام | تلفزيون الأوائل | إعلانات مبوبة | ترجمة فورية | العالم من الفضاء | تحميل صور | تحميل ملفات | أضف موقعك لدليل الأوائل


العودة   منتدى شبكة الأوائل : الاوائل > المنتديات العامة > منتدى فن هندسة العمارة والديكور الداخلي

منتدى فن هندسة العمارة والديكور الداخلي لناقش عمليات و دراسات البناء و التصميم المعماري و توزيع المساحات و غيرها من وجهة نظر علمية هندسية
ســــلســــلة مواضــــيع فــــن العمــــارة

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع

  #1
قديم 04-24-2008, 03:59 PM
مشرف مميز: يمنح للمشرف المجتهد فى منتداة ويضع دائما كل جديد من مواضيع لكل الأعضاء - السبب: وايضا يهتم بكل مواضيع الأعضاء ويساعد كل الأعضاء فى منتداة

افتراضي فن العمارة أكاديميا - 65 ..... تراث معماري - فلســــطين الحضـــارة

فلسطين - الحضارة
مقدمة :
هناك عاملان أساسيان كان لكل منهما الأثر الأكبر في تاريخ فلسطين الحضاري والسياسي، من فجر التاريخ حتى يومنا هذا. ويمتاز هذان العاملان انهما خارج الإرادة البشرية. وكلاهما قد أضفى على فلسطين موقعاً متميزاً لم يمتلكه أي بلد آخر في العالم عبر التاريخ كله.
العامل الأول جغرافي: وهو موقع ( كنعان : فلسطين ) همزة الوصل بين القارات الثلاث وبين الحضارات المتعددة ، إذ أضحت بحكم موقعها هذا ملتقى للطرق التجارية والقوافل، وممراً للجيوش المتحاربة. وهي كما كانت للجيوش الفارسية واليونانية قديما أصبحت للجيوش الاستعمارية حديثاً، حيث أن فلسطين هي بوابة العبور بين الشرق والغرب .
العامل الثاني ديني: فقد كان قدر فلسطين أن تكون وطن الديانات السماوية الثلاث : نحوها توجه موسى, وعلى أرضها ولد عيسى، وإليها أسرى بمحمد عليه الصلاة والسلام. فالمؤمنون من جميع أنحاء العالم يؤمونها وكذلك الطامعون فيها تحت ستار الدين، لهذا قامت الحروب الصليبية قديماً ، ولهذا قام التحالف الاستعماري الصهيوني حديثاً .

فلسطين . الحضارة :
برزت حضارتان رئيستان في فلسطين منذ أقدم العصور حتى القرن العشرين، هما الحضارة الكنعانية والحضارة العربية الإسلامية. وإن حصر الحضارات القديمة الكبرى بالحضارة الكنعانية لا يلغي أهمية الحضارات الأخرى المتعددة، التي عاشت كل منها ردحا من الزمن، وهذه الحضارات استنارت بالحضارة الكنعانية وأثرت وتأثرت فيها بل وكانت الحضارة الكنعانية شعلة أنارت بوهجها حضارات الشعوب التي استقرت في فلسطين، والذين هاجروا إليها واندمجوا معها ولم يهاجروا منها قط. ولسنا هنا في مجال تعدادها، وإنما نكتفي بالإشارة إلى ثلاث حضارات بارزة هي: الحضارات الفارسية واليونانية والرومانية مع التركيز على الحضارة الكنعانية والحضارة العربية الإسلامية.

اولا": الحضارة الكنعانية:
رغم تعدد التقديرات للبدايات الزمنية للوجود الكنعاني في فلسطين, فمما لا شك فيه اطلاقا انهم كانوا اول من سكن المنطقة من الشعوب المعروفة تاريخيا وأول من بنى على ارض فلسطين حضارة. وكانت لغة الكنعانيين اقرب ما تكون الى اللغة السامية الأم. أي اللغة العربية البائدة, ولم يكن الحكم على ارض كنعان موحدا فقد كانت تتكون من دويلات تتقاتل فيما بينها, الا عند مجابهة الخطر الخارجي وخصوصا من (اليحثيين) او (المصريين). لذلك اشتهر الكنعانيون ببناء القلاع والاسوار لحماية انفسهم. وقد ارهبت قلاع اريحا الجواسيس والعيون الذين ارسلهم موسى لاستكشاف ارض فلسطين " ان فيها قوما جبارين ". وقد توصل الكنعانيون الى بناء الصهاريج فوق السطوح, وحفر الانفاق الطويلة تحت الارض لايصال المياه الى داخل القلاع. ومن اهم هذه الانفاق نفق يبوس ( القدس ). حيث حفر اليبوسيون_وهم فرع من القبائل الكنعانية_ نفقاً وجاؤوه بالمياه إلى حصن يبوس من نبع جيحون، ولذلك صمدت القلعة ثلاثمائة سنة أمام الإسرائيليين .
وقد عرف الكنعانيون في حروبهم الحصان والمركبة الحربية وكذلك أسلحة الحديد، كما استعملوا القوس والنشاب والخنجر القصير والسكين المعقوف. وقد برعوا في صناعة الأدوات الحربية وهم أول من أدخل فن التعدين مما ساعدهم في صناعة الأسلحة الفتاكة من البرونز والحديد وحتى الفولاذ .
ومن أقدم المدن الكنعانية الباقية حتى اليوم، أريحا وأشدود ( أسدود ) وعكو ( عكا ) وغزة والمجدل ويافي ( يافا ) ومن المدن التي تغيرت أسماؤها بمرور الزمن: يبوس ( القدس ) شكيم ( نابلس ) أشكلون (عسقلان) بيت شان (بيسان ) وصدّيم (حطين ). وهناك مئات من المدن والقرى منها ما بقي حتى اليوم ومنها ما اندثر وجميعها أسماؤها كنعانية عربية قديمة, سرق اليهود هذه الأسماء الكنعانية العربية وأطلقوها على مستعمراتهم التي أنشؤوها على أرض فلسطين مدعين بأنها أسماءٌ عبرية والتاريخ يؤكد أنها كانت موجودة قبل غزوهم لفلسطين .
وقد اشتهر الكنعانيون بالزراعة وخصوصاً زراعة مختلف أنواع الحبوب والعنب والتين والزيتون والرمان والنخيل والتفاح وكانوا يعرفون معظم الأشجار والفاكهة والأعشاب المعروفة اليوم. وفي الصناعة برعوا في التعدين وصناعة الخزف والزجاج والنسيج وصناعة الثياب. كما برعوا في فن العمارة فبنيت منازل الملوك والأغنياء داخل الأسوار من الحجارة المنحوتة وهي عادة تتكون من باحة في الوسط وحولها الطرق وحتى البيوت العادية فقد كان فيها آبار للمياه وعنابر القمح ونوافذها تطل على الباحة. أما بيوت الفقراء فكانت من اللّبن وكذلك الحجـــــــــــارة غير المنحوتة، وفي الداخل استعملت الاسرة والكراسي وادوات المطبخ المتنوعة, وكانت مفاتيح بيوتهم ضخمة تصنع من الخشب أو المعدن وفي كثير من قرى فلسطين والشام ومصر ما زالت المفاتيح على هذا الطراز وقد اهتم الكنعانيون بالموسيقى وقد اقتبسوا كثيراً من عناصر موسيقاهم من شعوب مختلفة توطنت الشرق الأدنى القديم، وقد استخدموا الموسيقى والغناء في طقوسهم الدينية، وقد انتشرت موسيقاهم في جميع بقاع المتوسط. إن الأدب والفن هما عنوان الحضارة وقد أبدع فيهما الكنعانيون والمتتبع للكتابات الإسرائيلية التي تحاول جاهدة إيهام العالم بأنهم هم الذين بنو الحضارة العريقة وانهم أصحاب الأناشيد والتراتيل والغناء. إلا أن كبار المؤرخين الثقات أمثال ( برستد ) الذي وصف المدن الكنعانية المزهرة يوم دخلها العبرانيون بقوله "إنها مدن فيها البيوت المترفة، وفيها الصناعة والتجارة والكتابة والمعابد، وفيها الحضارة التي سرعان ما اقتبسها العبرانيون الرعاة البدائيون، فتركوا خيامهم وقلدوهم في بناء البيوت كما خلعوا الجلود التي ارتدوها في الصحراء وارتدوا الثياب الصوفية الزاهية الألوان، وبعد فترة لم يعد في الإمكان أن يفرق المرء بين الكنعانيين والعبرانيين بالمظهر الخارجي، فقد اقتبسوا الحضارة الكنعانية كما يقتبس المهاجرون الجدد إلى أمريكا في يومنا هذا طرق المعيشة الأمريكية ". وقد ظلت اللغة الكنعانية هي اللغة السائدة منذ فجر التاريخ المكتوب، أي منذ خمسة آلاف عام، ولم تعرف فلسطين حتى عهد الانتداب البريطاني سنة 1920 سوى لغات ثلاث: الكنعانية أولاً والآرامية ثانياً وهي اللغة التي تكلم بها السيد المسيح عليه السلام والعربية ثالثاً .

1. الحضارة الفارسية :
عندما فتح كورش الثاني بابل استعان باليهود لاستتباب سلطته، وقد طلبوا منه في المقابل العودة إلى فلسطين, وبعد أن فتح مصر أصبحت المنطقة المعروفة في عصرنا ( الشرق الأوسط ) خاضعة في القسم الأكبر منها للفرس فامتد ملكهم من دلتا النيل وشواطئ البسفور غرباً إلى نهر السند شرقاً .

كانت اللغة الآرامية في هذه المرحلة من حكم الفرس لغة الكلام والتجارة فقد صرف الفرس اهتمامهم للمواصلات والإدارة وتنظيم الضرائب وقد صكوا النقود الذهبية والفضية، وانصرف الناس إلى التجارة والزراعة. وعرفت فلسطين كغيرها هدوءاً نسبياً وخصوصاً وأن حكم داريوس اتصف بالعدل لا بالبطش والقسوة وانتهى العهد الفارسي بفتوحات الإسكندر المكدوني .

2. الحضارة اليونانية :
بعد أن أخضع الإسكندر المكدوني المدن اليونانية توجه إلى آسيا الصغرى عام 334 قبل الميلاد لمحاربة الفرس ومن ثم سوريا ولبنان وفلسطين ومن الشاطئ الكنعاني الفنيقي استعصت عليه مدينتا صور وغزة فقد قاومته صور سبعة أشهر وقاومته غزة شهرين وقد ساهم الأنباط العرب في الدفاع عن غزة طوال الحصار, وبعد دخولها دمرها وأحرقها .
كان الإسكندر يهدف إلى دمج الشرق في الغرب وجمعهما تحت حكم واحد. ونظرية الإسكندر في الدمج تختلف عن نظرية الاستعمار في القرن التاسع عشر، لانها قائمة على مبدأ المساواة بين الشعوب ولم يؤمن بأن شعبه الإغريقي فوق كل الشعوب, ولكنه آمن بضرورة انتشار الحضارة الهيلينية الإغريقية. وقد بدأت اللغة اليونانية بالانتشار وكذلك مظاهر الحضارة الإغريقية، وكان الهَم اليوناني الأكبر في نشر الحضارة يرتكز على بناء المدن الجديدة وترميم المدن القديمة وإنشاء المدارس وبناء المسابح والمعابد والملاعب والساحات فضلا"عن نشر العادات والتقاليد اليونانية.
بنى اليونانيون وجددوا مدناً فلسطينية عديدة منها ( يوبا - يافا ), ( رافيا- رفح ), (بطوليمايس - عكا ), ( أزوتوس - أسدود ) بالإضافة إلى العديد من القرى. غير أن سياسة الاندماج التي سعى الإسكندر إليها لم تتحقق وخصوصاً أن اليونان سكنوا المدن، أما القرى فسكانها ابتعدوا عنهم وعن تقاليدهم وحافظوا على تراثهم، ومن الأدلة على ذلك أنه على الرغم من أن اللغة اليونانية أصبحت اللغة الرسمية فإن اللغة الآرامية بقيت اللغة المحكية والمتداولة وهي اللغة التي تكلم بها السيد المسيح وهي اللغة التي تطورت منها السريانية وتعتبر الأخيرة إحدى اللهجات المحكية للغة الآرامية. وفي العهد اليوناني كان سكان فلسطين باستثناء اليونانيين الحكام يتألفون من الكنعانيين ومن العرب ( القبائل العربية ) ومن خليط من السامريين والآراميين واليهود والفلسطينيين ( الباليستا ) ومجموعات مما تبقى من الأمم الفاتحة السابقة .

3. الحضارة الرومانية :
في تاريخ فلسطين ما قبل الميلاد يعرف (هيرودس) بأنه أكثر من شاد وبنى، فقد بنى المدن والقلاع والحصون والمسارح والملاعب والمدارج والساحات والأسوار والقصور. ومن المدن الجديدة ( قيصيرية - قيسارية ), (انتيباتريس - خربة راس العين / نسبة إلى أبيه ). وأعاد بناء العديد من المدن والقلاع والأبراج ومن الآثار التي تم اكتشافها في أريحا سنة 1951 قصر هيرودس الشتوي الكبير. وقد امتد الزمن بدولة ( الهرادسة االادوميين ) نسبة إلى هيرودس الكبير مائة سنة بعد الميلاد، ولما انهزمت دولتهم لم يعودوا إلى موطنهم الأصلي مفضلين البقاء حيث هم. ومن أبرز المدن التي سكنوها ( جرش ، عمان ، بيسان ، دمشق ) وكانت هذه المدن مراكز تجارية وعمرانية بارزة .
أما بالنسبة إلى القضاء والضرائب والجندية كانت السلطة للرومان، وقد استفادوا من المدن اليونانية فسكنوها وباشروا بنشر لغتهم اللاتينية وتقاليدهم. في أواخر القرن الرابع للميلاد انقسمت الإمبراطورية الرومانية إلى إمبراطوريتين غربية وشرقية، وكانت فلسطين وسوريا من أراضي الإمبراطورية الرومانية الشـــــــرقية (395 - 636م ) وفي العهد الروماني الشرقي البيزنطي تكرّس اسم ( فلسطين) التاريخي إدارياً وسياسياً وقسمت البلاد إلى ثلاث مناطق :
1. فلسطين الأولى: وتشمل نابلس والقدس والخليل والسهل الساحلي حتى رفح وعاصمتها قيسارية .
2. فلسطين الثانية: وتشمل الجليل وأم قيس وقلعة الحصن وطبريا وعاصمتها بيسان
3. فلسطين الثالثة: وهي بلاد الأنباط وتشمل منطقة جنوب فلسطين وبئر السبع وكانت البتراء في الأردن عاصمتها .
أما حيفا وعكا من الشمال فقد كانتا ضمن فينيقيا الأولى وعاصمتها صور ومن أبرز المدن التي جدد الرومان بناءها : ( إيليا كابيتولينا - القدس ), (نيابوليس - نابلس ), ( وفصايلس - خربة فصايل ), (ويامينا - بيتا ), ( طيبارية - طبريا ) ، (ديسوبوليس - اللد ), ( البثروبوليس - بيت جبرين ), ( قيصرية - قيسارية ) وغيرها من المدن.
وقد وجد في القرن الرابع للميلاد في فلسطين 31 مدينة و442 قرية، وقد بنى الرومان المعابد والهياكل والحصون والقلاع والقصور والمدارس والحمامات والأسواق. كان الزي اليوناني ما زال سائداً في المدن خاصةً وقد كانت طبيعة الحياة فيها قد أخذت طبيعة الحياة اليونانية والرومانية، فانتشرت في المدن ألعاب المصارعة وسباق العربات والصيد وكذلك المباريات الموسيقية والتمثيليات والمسرحيات. ومن أشهر المدن حضارة في العهد الروماني كانت قيسارية وعسقلان وغزة ، وفي الريف ازدهرت الزراعة واستقرت معظم القبائل في بيوت حجرية وقد اتجه الرومان إلى بناء السدود والقنوات.
وفي الصناعة اشتهرت فلسطين بصناعة الكتان والنسيج والصباغة، وساهمت الطرق الرومانية في تشجيع التجارة، وظلت اللغة الآرامية هي اللغة المحكية الدارجة، واللغة اليونانية لغة الأدب والتعليم، وكانت أيضاً لغات خاصة للشعوب المتعددة .
ويمتاز العهد الروماني بحدثين تاريخيين كان لهما أكبر الاثر في تاريخ فلسطين : أولهما ولادة المسيحية على أرض فلسطين، وثانيهما نهاية اليهودية على أرض فلسطين، فقد ثار اليهود مرات عدة في عهد الرومان وأخضعهم الرومان منذ سنة 135 في عهد هدريان وقد تم سبيهم ولم يعد لهم من وجود يذكر، حيث أن تعاليم المسيحية مناقضة كل التناقض لطبيعة عصر بني إسرائيل منذ يوشع بن نون في القرن الثاني قبل الميلاد. حيث تبين صفحات التاريخ القديم أن بني إسرائيل كانوا يتعاملون مع شعوب المنطقة بالسلاح والقتل والتدمير لحضاراتهم فقد قاوم اليهود انتشار المسيحية، وقد ساعدوا الفرس في احتلال القدس بقيادة كسرى واحرقت كنيسة القيامة ونقل الصليب إلى فارس, وكذلك هدم الكثير من الأديرة والكنائس كما نهبت المدن.
ولدى دراسة الفكر المسيحي والحضارة في عهد الرومان تحتل فلسطين مكانة بارزة فقد اشتهر فيها عدد من المدارس اللاهوتية والمكتبات. في قيسارية أسس (أورجينس) في أوائل القرن الثالث الميلادي مدرسة للاهوت كانت تدرس اللاهوت والفلسفة والمنطق والهندسة وتحتوي على مكتبة ضخمة يأتيها طلاب العلم من خارج فلسطين وفي قيسارية أيضاً انشأ (بمفيليوس) مدرسة ثانية مواصلاً عمل (أوريجينس)، وقد ضمت المكتبة في مدرسته ثلاثين ألف كتاب. وفي القدس أيضاً وجدت المدارس ووجدت مكتبة ضخمة أنشأها الأسقف اسكندر.
وكانت مدارس غزة من أهم المدارس العامة منذ القرن الثاني للميلاد فاشتهرت بتدريس الفلسفة والبلاغة واشتهرت أيضاً مدرسة الحقوق في قيسارية، وظهر في هذه المرحلة العديد من المؤرخين والفلاسفة، وأشهرهم القديسان (يوستينوس ) 100-165م، والقديس (هيلاريون ) 287 -371م، والمطران (بوسابيوس ) 260-340 م .
وفي العهد البيزنطي المسيحي ازدهرت المدارس والمكتبات والمؤلفات واشتهرت من المدن قيسارية وعسقلان وغزة ومن أكثر المدارس شهرة مدرسة الخطابة المسيحية في غزة. والتدريس في العهد البيزنطي كان باللغة اليونانية ، فالبيزنطيون اتخذوا اليونانية لغتهم بمرور الزمن، وقد أطلق العرب على اللغة اليونانية البيزنطية اللغة الرومية .
إن أجواء الحرية الفكرية هذه كانت مرحلة مهمة من تاريخ فلسطين، إذ مهما يكن طابعها الفكري العام فهي مستقاه من الفكر الهيليني والروماني، فروحها كانت الروح المسيحية وبصرف النظر عن أصل هؤلاء المفكرين سواء كان أجدادهم من مقدونيا أم أثينا أم روما، فهم قد ولدوا في فلسطين وعاشوا على أرضها وتشربوا من الحضارات المختلفة التي مرت على فلسطين وتأثروا بها وأثروا عليها، وإن الأثر الأكبر لهؤلاء المفكرين والمبدعين هو أن عطاءهم الفكري كان تفاعلاً مستمراً مع تاريخ الأرض ومن تاريخ الشعب الذي استقر على هذه الأرض, وفلسطين منذ القرن
السابع ومنذ انتمائها إلى العهد العربي الإسلامــــي كان من طبيعة التطور أن يهاجر إليها المزيد من العرب وأن يصبح الإسلام دين الأكثرية من سكانها، غير أن التعايش الحقيقي بين الأديان كان سمة العهد العربي الإسلامي .



__________________

أرجو أن تزوروا
منتدى فن هندسة العمارة والديكور الداخلي

[ و غير الأعضاء يستطيعون رؤيه الوصلات بعد التسجيل .اضغط هنا للتسجيل]
[ و غير الأعضاء يستطيعون رؤيه الوصلات بعد التسجيل .اضغط هنا للتسجيل]



حسن التميمي غير متواجد حالياً  
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
  #2
قديم 04-24-2008, 04:01 PM
مشرف مميز: يمنح للمشرف المجتهد فى منتداة ويضع دائما كل جديد من مواضيع لكل الأعضاء - السبب: وايضا يهتم بكل مواضيع الأعضاء ويساعد كل الأعضاء فى منتداة

افتراضي رد: فن العمارة أكاديميا - 65 ..... تراث معماري - فلســــطين الحضـــارة

ثانياً : الحضارة العربية الإسلامية :-
ابتدأت المرحلة الحضارية الكبرى الثانية وهي الحضارة العربية الإسلامية في القرن السابع للميلاد ومن صفحاتها الأولى فتح أمير المؤمنين عمر بن الخطاب . فالعرب لم يكونوا غرباء عن فلسطين كالفاتحين السابقين، بل كان لهم فيها أجداد هم أول من سكن البلاد منذ فجر التاريخ كالعمالقة وسواهم من القبائل العربية وإن اعتبرت تلك القبائل من القبائل البائدة فإن ذكرها قد بقي في وجدان العرب .
ليس هناك من خلاف بين المؤرخين، عرباً وغير عرب، في نشأة حضارة عربية إسلامية كبرى انتشرت عبر قارات ثلاث وإن اختلفت التقويمات أو اختلفت التسميات، فقيل أحياناً أنها إسلامية فقط وقيل أنها إسلامية - عربية، أو قيل أنها عربية. ويمكن وصفها في هذا الكتيب أنها حضارة عربية - إسلامية، لأن الوجود العربي سبق - زمنياً - مجيء الإسلام، وأن العروبة والإسلام وجهان لعملة واحدة في التاريخ العربي عامة، وفي تاريخ فلسطين خاصة .
تواصلت الحضارة العربية الإسلامية من دون انقطاع ثلاثة عشر قرناً من الزمن تواصلاً طبيعياً، وبلغة واحدة هي اللغة السامية العربية لغة القرآن الكريم، وقد كانت فلسطين أسرع البلدان في تقبل التعريب وكانت الكنائس في فلسطين أولى الكنائس الشرقية التي رتلت فيها الصلاة بالعربية، وسوف نتعرض إلى الحضارة العربية الإسلامية في فلسطين من الجوانب التالية :-
1. مكانة فلسطين وبيت المقدس: إن بيت المقدس هي المدينة الوحيدة التي سارلفتحها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فقد حرص اثنان من الخلفاء الأمويين على أخذ البيعة في بيت المقدس أولهما كان معاوية بن أبي سفيان وثانيهما سليمان بن عبد الملك، وقد كان يتقبل البيعة في مسجد الصخرة، وقد استهوت فلسطين الكثير من الخلفاء الذين كانوا يمضون فصولاً كاملة في ربوعها فكان معاوية وابنه يزيد من بعده، يمضيان فصل الشتاء بجانب بحيرة طبريا، وكذلك سليمان في الرملة، ومروان أبن الحكم في الغور وقد توفي في طبريا، ومن بعده ابنه عبد الملك، وقد طلب عمر أبن عبد العزيز من جميع ولاته أن يزوروا بيت المقدس ويقسموا يمين الطاعة والعدل بين الناس في مسجدها. أما سيرة صلاح الدين في فلسطين وقيادته الجيش في معركة حطين، واسترداده بيت المقدس من الصليبيين، فهي الدليل على كونها المقياس والمعيار لسلطة الدولة وعلى كونها أحد الرموز الخالدة في التراث العربي الإسلامي . وليس هناك من تاريخ مدينة يظهر من خلاله الترابط الوثيق بين الإسلام والعروبة كتاريخ بيت المقدس، هذا التاريخ الذي ما كان عنصرياً أو طائفياً فلم يستمر أبناء الأديان السماوية الأخرى في ممارسة طقوسهم فحسب، وإنما ساهموا أيضاً في بناء الحضارة العربية الإسلامية بمفهومها الشامل .
2. التطور الإداري :
على الصعيد الإداري كانت فلسطين في جميع العهود السابقة حتى العهد العثماني تذكر بالاسم -فلسطين- كما ذكرت في أخبار الفتوحات الإسلامية بأرض فلسطين أو فلسطين لما اتسعت الدولة في عهد عمرقسم البلاد إلى أقسام إدارية كبيرة ليسهل حكمها، وجعل فلسطين قسماً قائماً بذاته وكان يعين على الأقسام أو الأقاليم (والياً ) يستمد سلطته من الخليفة الذي كان يجمع بين السلطتين التنفيذية والقضائية، وليس له مطلق السلطة ويكون الولاة من أهل الثقة. في العهد المملوكي قسمت البلاد داخلياً إلى مناطق دعيت بالممالك فكانت منها المملكة الغزّية من حيفا حتى رفح، ومملكة صفد إلى الشمال من حيفا. وفي العهد العثماني أصبحت فلسطين تعرف بسوريا الجنوبية، وتقسم داخلياً إلى ثلاث متصرفيات - متصرفية مرادفها بالتركية "سنجق " - . والقدس المستقلة أصبحت تتبع الباب العالي مباشرة في الاستانة منذ سنة 1874 ، وذلك لمكانتها الدينية، ومتصرفية عكا، ومتصرفية نابلس وقد ألحقت هاتان الأخيرتان بولاية الشام ثم ولاية بيروت .
لم يكن للتقسيمات الإدارية الأخيرة أي أثر في طبيعة المجتمع والسكان أو في تاريخ فلسطين كجزء من هذه المنطقة، غير أن الصهيونية استغلتها للادعاء ان فلسطين قد اندثرت اسماً ومجتمعا"، والواقع أن هذه التقسيمات برهان على وحدة المجتمع في الشام ولبنان وفلسطين، وألا لما كان سهلاً أو ممكناً أن تلحق عكا ونابلس بالشام تارة وببيروت تارة أخرى .
2. التطور العمراني والحضاري :
ما أن استتبت فتوحات الشام في عهد الخلفاء الراشدين حتى ابتدأت هيكلية الدولة المنظمة تظهر في عهد عمر بن الخطاب، فهو أول من نظم الدواوين (الوزارات ) وأول من وضع نظاماً للبريد وأول من عين القضاة وأول من أنشأ الكتاتيب ( المدارس ). فقد أرسل عمر بن الخطاب العلماء إلى فلسطين كان على رأسهم معاذ بن جبل، وعبد الرحمن بن غنم، وعبادة بن الصامت أول القضاة في بيت المقدس .
عمرانياً: أقام عمر المساجد في فلسطين وفي بيت المقدس - مسجد عمر - وقام بتشييد المدن وأعاد عبد الملك بن مروان بناء عسقلان التي دمرها البيزنطيون، ورمم المساجد والأحياء في قيسارية وعكا وكانت قمة أعماله بناء مسجد الصخرة المشرفة والمسجد الأقصى المبارك الذي أتمه من بعده ابنه الوليد. ويعتبر من المباني الفخمة وبما يحتويه من القبب والأعمدة الشاهقة والرخامية المنقوشة. وأشاد الوليد المصانع والمستشفيات والآبار وأصلح الطرق كما بنى مدينة على ضفاف بحيرة طبريا الشمالية. كما بنى سليمان بن عبد الملك مدينة الرملة وجعلها من أهم المدن عمراناً وحضارة وبنى هشام بن عبد الملك كفر لام (قضاء حيفا) وبنى العديد من القصور منها قصر هشام في أريحا. إن السمات البارزة للحضارة في هذه الفترة هي الفتوحات والعمران والتعريب .
واهتم العباسيون ببيت المقدس وقد قاموا بعمارة الحرم الشريف وترميمه، وفي بيت المقدس أقيم في عهدهم سوق كبير في منتصف تشرين الاول يؤمه التجار من الأمم المختلفة، وفي عهد المأمون أصاب الزلزال فلسطين وتأثرت مباني الحرم المقدسي, وتولى المأمون الإشراف على عمارة الصخرة. تقدم العلم في العهد العباسي وأصبحت المساجد معاهد للعلم وفي كل منها مكتبة لطلاب العلم، وقد اتصف هذا العهد بالعدل الشامل والاستقرار والأمن .
وفي عـــــــــهد الطولونيين تم بناء قلعة يافا، وإنشاء القاعدة البحرية في عكا وتقوية حصونها وإقامة حدائق الحيوانات، وظهر في عهدهم رجال العلم منهم سليمان أبن أحمد اللخمي من طبريا، والعباس بن محمد بن الحسن من عسقلان ... وغيرهم. وفي عهد الفاطميين عاد للعلم مكانته وتم بناء الأزهر الشريف، فقد حول الجامع إلى جامعة وقيل إن مكتبته كانت تحتوي على مائتي ألف كتاب، وفي بيت المقدس شرع في عهدهم ببناء سور القدس الشهير، كما بنى سوراً للرملة. ومن مآثر الفاطمييين الاهتمام بالمستشفيات فقد بنوا مستشفى كبير في بيت المقدس، واهتموا ببناء الخانات لتسهيل أمور التجارة وبناء الكتاتيب .
ساهم الصليبيون في فن العمران في فلسطين، وقد تأثرت به البلاد حتى بعد خروجهم، فقد اشتهروا ببناء الكنائس وترميم ما تهدم منها وبناء القلاع والمستشفيات، وبنوا في القدس أسواقاً تجارية أما قلاعهم فكانت على نمط القرون الوسطى في أوروبا ومن أهمها في عتليت وارسوف والقسطل وعسقلان...وغيرها .
وفي عهد الأيوبيين تم استكمال بناء سور القدس وإنشاء المدارس، ومن أهمها المدرسة الصلاحية، وأنشىء البيمارستان ( المستشفى ) في قلب مدينة القدس، وكان التدريس في عهد الأيوبيين وقفاً على الكتاتيب والجوامع، وعرفت في فلسطين المدارس العلمية وبلغ عددها سبعة في القدس وقد احتوت كل منها على مكتبة ضخمة.
عمرانياً: أضاف الأيوبيون إلى الحرم الشريف والى حرم الخليل المنابر والأروقة وأنشأوا العديد من المساجد والمباني وبنوا القلاع في أكثر من مكان للحماية, وأقاموا في خليج العقبة حصن فرعون لحماية المقدسات في الحجاز. ومن آثارهم حتى اليوم في القدس: الخانقاة الصلاحية ( الرباط الصلاحي ) في المدينة القديمة وتحول إلى دار للمجاهدين .
وفي عهد السلطان بيبرس(عهد المماليك), كان التقدم في العلم والعمران يسيران على خطين متوازيين هما: صدّ المغول وإخراج الصليبيين، والقيام بالإصلاحات العديدة في الزراعة والري وتنظيم البريد, وفي عهده جدد ما تهدم من قبة الصخرة كما جدد في حرم الخليل وأقام العديد من الجوامع والمشاهد للأنبياء والصحابة الأوائل. فقد بنى على مقام النبي موسى قبة ومسجدا"، وجدد سماط إبراهيم الخليل، ومن الصحابة الذي بنى لهم الأضرحة: أبو عبيدة عامر بن الجراح في الغور وجعفر الطيار في مؤتة. وبنى الطرق والجسور والأبراج وحصن المدن والمدارس, وقد أنشأ في غزة مكتبة ضمت الآلاف من الكتب. وفي عهد المماليك استعملوا في بناء البيوت النقش والزخارف والحجارة المتعددة الألوان، وفي مدينة القدس وحدها وجد حتى حرب حزيران/1967 ثمان وتسعون بيتاً من العهد المملوكي ولعل أجمل مبانيها قصر المظفرية. ووصل التعليم في عهد المماليك إلى مرحلة التخصص والدراسة العالية. وكان الطالب بعدها يعطي إجازة في التدريس أو الفتوى. وفي العلوم كانت دراسة الطب والفلك والهندسة والتاريخ والجغرافيا والرياضيات .
وفي عهد العثمانيين أنشأ السلطان سليم في فلسطين قلاعاً ومنشآت متعددة من مدارس وجوامع، وعمرت في عهده قرية دير الأسد من إعمال عكا. وفي عهد الجزار كانت له آثار ظاهرة إلى يومنا في عكا، فقد بنى بها سورين وثكنة عسكرية وسوقاً تجارية وحمامات وخانات، كما بنىالجامع الشهير باسم جامع الجزار، وفي عهدهم تم تجديد مباني مدينة يافا وإقامة سد ضخم وجامع، وجرت إصلاحات عمرانية منها تعمير قرى مهدمة .
ساهمت فلسطين في تطور الحضارة العربية - الإسلامية. وكون أكثرية سكانها من العرب المسلمين فل يعني إطلاقاً أنهم كانوا وحدهم بناة هذه الحضارة فقد ساهم في بنائها جميع القاطنين في كنفها من عرب مسيحيين، وعرب يهود ومن مسلمين غير عرب. ويرجع أبناء فلسطين بأصولهم الحضارية والعرقية إلى آلاف السنين، إلى العهد الذي اشتهرت فيه أريحا ويبوس وكريات أربع وأشدود وعكا ويافا وغزة وغيرها بصفتها مدناً كنعانية مزدهرة. فأبناء فلسطين هم أحفاد الشعب الكنعاني وأحفاد الأقوام والقبائل كلها التي استقرت في البلاد. أبناء فلسطين اليوم يعتزون بذكر القبائل العربية البائدة : العمالقة ، الإسماعيلين ، المديانيين.. وغيرهم .
أما السمات القومية لشعب فلسطين فسمات عربية وهي جزء من الوطن العربي، وإن انتماء أبنائها إلى الأمة العربية الإسلامية قد فتح الإفاق أمامهم للمساهمة في بناء حضارتها، وكان منهم كبار العلماء والفقهاء والمؤرخين والأدباء منهم الامام الشافعي .
إن هذه الحضارة التي أقامها الشعب الفلسطيني على أرض فلسطين هي رد واضح وجلي على الادعاءات الصهيونية التي عملت وتعمل على إلغاء الوجود العربي الفلسطيني ليحل محله الوجود الاستعماري الصهيوني، وهي أيضاً رد على التهم الإسرائيلية القائلة بأن فلسطين لم توجد عبر التاريخ بل كانت إسرائيل، وإن القدس كانت بمنأى عن عواصم الخلافة مما أدى إلى إهمالها وإهمال فلسطين، فالقدس كانت أوفر المدن العربية حظاً برعاية الخلفاء وعواصم الخلافة وردا" على التهمة الثالثة التي تدعى أنه لا يوجد عرب في فلسطين بل مجموعة من الشعوب والجماعات المختلفة .



__________________

أرجو أن تزوروا
منتدى فن هندسة العمارة والديكور الداخلي

[ و غير الأعضاء يستطيعون رؤيه الوصلات بعد التسجيل .اضغط هنا للتسجيل]
[ و غير الأعضاء يستطيعون رؤيه الوصلات بعد التسجيل .اضغط هنا للتسجيل]



حسن التميمي غير متواجد حالياً  
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
  #3
قديم 04-24-2008, 04:03 PM
مشرف هندسة العمارة
 
الصورة الرمزية حسن التميمي







من مواضيعي
المستوى : 49
معدل التفاعل: 1802 / 1802
معدل الإستجابه: 1441 / 2981
المعدل الاجمالي: 6%
 

مشرف مميز: يمنح للمشرف المجتهد فى منتداة ويضع دائما كل جديد من مواضيع لكل الأعضاء - السبب: وايضا يهتم بكل مواضيع الأعضاء ويساعد كل الأعضاء فى منتداة

افتراضي رد: فن العمارة أكاديميا - 65 ..... تراث معماري - فلســــطين الحضـــارة

فلسطين في التاريخ الإسلامي
منذ العصر العباسي الثاني الذي ابتدأ بعد منتصف القرن الثالث الهجري ودولة الخلافة الإسلامية في ضعف مستمر متزايد، حتى تمزقت دولة الإسلام إلى ثلاث خلافات بدلاً من خلافة واحدة فالخلافة العباسية في المشرق، والخلافة الفاطمية في مصر وأجزاء من المغرب والشام، والخلافة الأموية في الأندلس، وفي مثل تلك الأجواء حدثت الحروب الصليبية.

الخريطة السياسية للمنطقة قبيل الحروب الصليبية

قبل بدء الحروب الصليبية بحوالي أربعين عاماً نجح السلاجقة الأتراك في بسط سيطرتهم على بغداد وتولي الحكم تحت الخلافة الاسمية للعباسيين. فقد استطاع السلاجقة بسط سيطرتهم على أجزاء واسعة من فارس وشمال العراق وأرمينيا وآسيا الصغرى حوالي 1040م ثم سيطر السلطان السلجوقي طغرل بك على بغداد سنة 1055م، وتوسع السلاجقة على حساب البيزنطيين في آسيا الصغرى، وفي 19 أغسطس 1071م وقعت معركة ملاذكرد التي قادها السلطان السلجوقي ألب أرسلان وحلت فيها أكبر كارثة بالبيزنطيين حتى نهاية القرن الحادي عشر الميلادي.

وفي سنة 1071م سيطر السلاجقة على معظم فلسطين عدا أرسوف وأخرجوا النفوذ الفاطمي منها وتوسع السلاجقة على حساب الفاطميين في الشام فاستطاعوا الاستيلاء على معظمها.

وفي سنة 1092م 485 هـ توفي السلطان السلجوقي ملكشاه فتفككت سلطة السلاجقة، ودخلوا فيما بينهم في معارك طويلة طاحنة على السيطرة والنفوذ، وفي سنة 1096م أصبحت سلطتهم تتكون من خمس ممالك: سلطنة فارس بزعامة بركياروق، ومملكة خراسان وما وراء النهر بزعامة سنجر ومملكة حلب بزعامة رضوان، ومملكة دمشق بزعامة دقاق، وسلطنة سلاجقة الروم بزعامة قلج أرسلان. وكانت معظم مناطق فلسطين تتبع الحكم في دمشق. وفي ظل ضعف حاكمي الشام (رضوان ودقاق) ظهرت الكثير من البيوتات الحاكمة بحيث لا يزيد حكم كثير منها عن مدينة واحدة.

لقد بدأ الصليبيون حملتهم 1098م - 491هـ ومناطق المسلمين في الشام والعراق وغيرها تمزقها الخلافات والصراعات الدموية، فقد دخل الأخوان رضوان ودقاق ابنا تتش في حرب بينهما سنة 490 هـ، ووقعت معارك عديدة بين محمد بن ملكشاه وأخيه بركياروق في الصراع على السلطنة تداولا فيها الانتصارات والخطبة لهما بدار الخلافة 492-497هـ.

الحملة الصليبية الأولى ونتائجها

وفي تلك الأثناء أخذت الأنظار في أوروبا تتجه نحو الأرض المقدسة بعد أن دعا البابا أوربان الثاني (1088 - 1099م) في مجمع كليرومونت 26 تشرين ثاني / نوفمبر 1095م «لاسترداد» الأراضي المقدسة من أيدي المسلمين، تم عقد عدة مجمعات دعا فيها للحروب الصليبية (ليموج، انجرز، مان، تورز، بواتييه، بوردو، تولوز، نيم) خلال 1095-1096م، وقرر أن كل من يشترك في الحروب الصليبية تغفر له ذنوبه، كما قرر أن ممتلكات الصليبيين توضع تحت رعاية الكنيسة مدة غيابهم، وأن يخيط كل محارب صليباً من القماش على ردائه الخارجي.

وبدأت الحملات الصليبية بحملات العامة أو حملات الدعاة، وهي حملات تفتقر إلى القوة والنظام، وكان منها حملة بطرس الناسك وهو رجل فصيح مهلهل الثياب حافي القدمين يركب حماراً أعرج جمع حوله من فرنسا حوالي 15 ألفاً، وفي طريقهم أحدثوا مذبحة في مدينة مجرية لخلاف على المؤن فقُتل أربعة آلاف، وانضمت إليهم عند القسطنطينية جموع والتر المفلس، ودخلت حشودهم الشاطئ الآسيوي، وحدثت معركة مع السلاجقة انتصر فيها السلاجقة وقتلوا من الصليبيين 22 ألفاً ولم يبق من الصليبيين سوى ثلاثة آلاف. أما حملتا فولكمار وأميخ فقد أقامتا مذابح لليهود في الطريق، وتشتت الحملتان في المجر!!.

ثم كان ما يعرف بالحملة الصليبية الأولى وقد شارك فيها أمراء وفرسان أوروبيون محترفون وبدأت الحملة سيطرتها على مناطق المسلمين منذ صيف 1097م، وأسس الصليبيون إمارة الرها مارس 1098م بزعامة بلدوين البولوني. وحاصر الصليبيون أنطاكية تسعة أشهر وظهر من شجاعة صاحب أنطاكية باغيسيان «وجودة رأيه واحتياطه مالم يشاهد من غيره فهلك أكثر الفرنج ولو بقوا على كثرتهم التي خرجوا فيها لطبقوا بلاد الإسلام»، غير أن أحد الأرمن المستحفظين على أسوار المدينة راسله الصليبيون وبذلوا له «مالاً وإقطاعاً» ففتح للصليبيين الباب من البرج الذي يحرسه فاحتل الصليبيون المدينة، وأسسوا فيها إمارتهم الثانية 491هـ -3 يونيو 1098م، بزعامة بوهيمند النورماني.

وفي الوقت الذي كان السلاجقة يتعرضون فيه للزحف الصليبي شمال بلاد الشام، استغل الفاطميون الفرصة فاحتلوا صور 1097م وسيطروا على بيت المقدس في شباط / فبراير 1098م أثناء حصار الصليبيين لأنطاكية، واستقل بطرابلس القاضي بن عمار أحد أتباع الفاطميين، بل أرسل الفاطميون للصليبيين أثناء حصارهم لأنطاكية سفارة للتحالف معهم وعرضوا عليهم قتال السلاجقة بحيث يكون القسم الشمالي «سوريا» للصليبيين وفلسطين للفاطميين، وأرسل الصليبيون وفداً إلى مصر ليدللوا على «حسن نيَّاتهم»!!، وهكذا… فأثناء انشغال السلاجقة بحرب الصليبيين كان الفاطميون منشغلين بتوسيع نفوذهم في فلسطين على حساب السلاجقة حتى إن حدودهم امتدت حتى نهر الكلب شمالاً ونهر الأردن شرقاً..!!

وظهرت الخيانات وانكشف التخاذل من إمارات المدن التي حرصت كل منها على نفوذها و«كسب ود» الصليبيين أثناء توسعهم ومن ذلك ما حدث من اتصال صاحب إقليم شيزر بالصليبيين حيث تعهد بعدم اعتراضهم وتقديم ما يحتاجون من غذاء ومؤن بل وأرسل لهم دليلين ليرشداهم على الطريق!!، وقدمت لهم حمص الهدايا!! وعقدت معهم مصياف اتفاقية!!.. أما طرابلس فدفعت لهم الجزية، وأعانتهم بالأدلاء، ودفعت بيروت المال، وعرضت عليهم الدخول في الطاعة إذا نجحوا في احتلال بيت المقدس!!.

تابع ريموند دي تولوز (أمير إقليم بروفانس وتولوز بفرنسا) قيادة بقية الصليبيين إلى بيت المقدس وكان عددهم ألف فارس وخمسة آلاف من المشاة فقط!! وفي ربيع 1099م دخلوا مناطق فلسطين فمروا بعكا التي قام حاكمها بتموين الصليبيين!! ثم قيسارية ثم أرسوف، ثم احتلوا الرملة واللد وبيت لحم، وفي 7 حزيران / يونيو 1099م بدأوا حصار بيت المقدس، وكان حاكمها قد نصبه الفاطميون ويدعى افتخار الدولة، وتم احتلالها في 15 يوليو 1099 لسبع بقين من شعبان 492هـ. ولبث الفرنج أسبوعاً يقتلون المسلمين… وقتلوا بالمسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفاً منهم جماعة كثيرة من أئمة المسلمين، وعلمائهم وعبادهم(20). أما الدولة الفاطمية فقد واجهت الخبر ببرود، كما أن الدولة العباسية لم تحرك ساكناً!!

تولى حكم بيت المقدس القائد الصليبي جود فري بوايون، وتسمى تواضعاً بحامي بيت المقدس، واستسلمت نابلس، وتم للصليبيين احتلال الخليل(21).

ويقال إنه لم يبق من الصليبيين إلا ثلاثمائة فارس وألفين من المشاة ولم يستطيعوا توسيع سيطرتهم، ذلك أن كثيراً منهم عادوا إلى بلادهم بعد أن أوفوا قسمهم بالاستيلاء على بيت المقدس(22)، وبذلك أصبحت ممالك الصليبيين كالجزر وسط محيط من الأعداء، ومع ذلك كتب لها الاستمرار مائتي سنة حتى تم اقتلاع آخرها!! بسبب الإمدادات والحملات التي كانت تأتيهم بين فترة وأخرى، وبسبب ضعف المسلمين وتشرذمهم، وعدم استغلالهم لفرصة انسياب وانتشار الصليبيين على مساحات واسعة من الأرض بأعداد قليلة ليقضوا عليهم، ولكن المسلمين تأخروا حتى قويت شوكة الصليبيين وأصبح من الصعب اقتلاعها.

وتتابع سقوط مدن فلسطين الأخرى، فقد كانت يافا قد سقطت أثناء حصار بيت المقدس على يد سفن جنوية في 15 يونيو 1099م، وسيطر الصليبيون على شرق بحيرة طبرية (منطقة السواد) في مايو 1100م، واستولوا على حيفا عنوة في شوال 494 هـ - أغسطس 1100م بمساعدة أسطول كبير من البندقية، وملكوا أرسوف بالأمان وأخرجوا أهلها منها، وملكوا قيسارية 17 مايو 1109م بالسيف وقتلوا أهلها ونهبوا ما فيها وذلك في 17 مايو 1101م(23). وهكذا فرض الصليبيون هيمنتهم على فلسطين غير أن عسقلان ظلت عصية عليهم وكان المصريون (الفاطميون) يرسلون لها كل عام الذخائر والرجال والأموال، وكان الفرنج يقصدونها ويحاصرونها كل عام فلا يجدون لها سبيلاً، ولم تسقط عسقلان بأيدي الفرنج إلا في سنة 1153م-548هـ، وكان أهلها قد ردوا الفرنج مقهورين في ذلك العام، وعندما آيس الفرنج وهموا بالرحيل أتاهم خبرأن خلافاً وقع بين أهلها فصبروا. وكان سبب الخلاف أن أهلها لما عادوا قاهرين منصورين ادعى كل طائفة أن النصرة كانت من جهتها، فعظم الخصام بينهم إلى أن قتل من إحدى الطائفتين قتيل، واشتد الخطب وتفاقم الشر، ووقعت الحرب بينهم فقتل بينهم قتلى!! فطمع الفرنج، وزحفوا إلى عسقلان وقاتلوا «فلم يجدوا من يمنعهم فملكوه»(24)!! ترى… كم هي الهزائم التي تأتي من أنفسنا أو نصنعها بأنفسنا؟! {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم}(25).

وهكذا تأسست مملكة بيت المقدس الصليبية، ونشير استطراداً إلى تأسيس الفرنج لمملكة صليبية رابعة هي طرابلس في 11 ذي الحجة 503هـ -12 يوليو 1109م بعد حصار دام سبعة أعوام.

استمرار الصراع (نظرة عامة)

من الصعب أن ندخل في تفصيل الأحداث سنة بسنة وحادثاً بحادث، خصوصاً أن منهجنا يميل إلى الاختصار ووضع اليد على النقاط المهمّة الحساسة في سياق حديثنا عن التجربة التاريخية للحل الإسلامي على أرض فلسطين، غير أن استكمال الصورة ومعرفة مجمل الظروف في تلك الفترة يقتضي الإشارة إلى المعطيات التالية التي ظهرت خلال الثلاثين سنة التي تلت الاحتلال الصليبي لبيت المقدس:

- كان عدد الصليبيين محدوداً وقد فرضوا هيمنتهم من خلال قلاع منتشرة كجزر معزولة في العديد من مناطق الشام.

- استمر الصراع والنزاع بين المسلمين، واستعان بعضهم بالصليبيين على خصومهم، مما أضعف الموقف الإسلامي، وجعل الصليبيين يلعبون في بعض الأحيان دور الشرطي، ويستفيدون من ذلك في زيادة نفوذهم وتقوية شوكتهم.

ومن ذلك الصراع بين طغتكين وبكتاش بن تتش على دمشق، حيث استعان بكتاش 498هـ بالفرنج على خصمه، ولحق به «كل من يريد الفساد»، غير أن ملك الفرنج لم يعطه سوى التحريض على الإفساد، ثم استقام الأمر لطغتكين(27). وعندما وقعت معركة بين الفاطميين والفرنج بين عسقلان ويافا سنة 498هـ ساعدت الفاطميين قوة من دمشق من 300 فارس وساعدت جماعة من المسلمين بقيادة بكتاش بن تتش الفرنج(28). وعندما جاء جيش السلطان من العراق سنة 509هـ إلى الشام لجهاد الصليبيين بقيادة برسق بن برسق خاف حكام دمشق وحلب على نفوذهم من أن يزول فتعاونوا بقيادة طغتكين مع فرنج أنطاكية ضد جيش السلطان. ثم ما لبث طغتكين نفسه أن قاتل فرنج بيت المقدس واستعاد رفنية بعد أن استولى الفرنج عليها(29)…، إنه القتال المرتبط بالمصلحة، فمرة يلبس ثوب الجهاد في سبيل الله، ومرة يلبس ثوب الدفاع عن «الحق» (الكرسي) تحت حجج الوراثة أو الكفاءة… حتى لو اقتضى ذلك التحالف مع الأعداء.

- استمر جهاد المسلمين ضد الفرنج (الصليبيين) دون توقف، وإن كان هذا الجهاد قد افتقر إلى حسن الإعداد والتنظيم، كما تعدد القادة المسلمون الذين يأتون ويذهبون، كما تعددت محاور الصراع والاشتباك مع الفرنج في بلاد الشام، وافتقر المسلمون إلى قاعدة كبيرة قوية تكون منطلقاً دائماً للجهاد، وكثيراً ما كان القتال بين مدينة أو قلعة إسلامية -تحاول الدفاع عن نفسها أو توسيع نفوذها- وبين الفرنج.

وتداول المسلمون والصليبيون النصر والهزيمة في المعارك، ولم يكن يمضي عام دون معارك وتبادلوا احتلال المدن والقلاع، ولم يكن من الصعب على المسلمين أن يدخلوا في وسط فلسطين ويخوضوا المعارك عند الرملة أو يافا أو غيرهما. غير أن الصليبيين ظلوا يحتفظون بنفوذهم وهيمنتهم في المناطق التي استولوا عليها.

وظهر عدد من المجاهدين المسلمين الذين كانت قدراتهم محدودة ولم يتمكنوا من توحيد قوى المسلمين لجهاد الفرنج، غير أنهم حافظوا على جذوة الجهاد، وألحقوا بالفرنج خسائر كبيرة وأفقدوهم الاستقرار والأمان وقتلوا أو أسروا العديد من قادتهم وزعمائهم(30). فمثلاً كان بين معين الدولة سقمان وشمس الدولة جكرمش حرب، ولمّا حوصرت حرَّان من قبل الفرنج سنة 497هـ تراسلا وأعلم كل منهما الآخر أنه قد بذل نفسه لله تعالى وثوابه فسارا واجتمعا بالخابور في عشرة آلاف من التركمان والترك والعرب والأكراد فالتقوا بالفرنج عند نهر البليخ، وهزم الفرنج فقتلهم المسلمون «كيف شاؤوا»، وأسر بردويل وفدى بخمسة وثلاثين ديناراً و 160 أسيراً من المسلمين وكان عدد قتلى الفرنج يقارب «12» ألفاً(31).

وفي سنة 507 هـ اجتمع المسلمون من الموصل وسنجار ودمشق وقاتلوا الفرنج عند طبرية وانتصروا عليهم وأسروا ملكهم «بغدوين» دون أن يعرف فأخذ سلاحه وأطلق وكثر القتل والأسر في الفرنج. ثم جاء مدد من جند أنطاكية وطرابلس فقويت نفوس الفرنج وعادوا للحرب فأحاط بهم المسلمون من كل ناحية وصعد الفرنج إلى جبل غربي طبرية ومكثوا 26 يوماً دون أن ينزلوا للقتال، فتركهم المسلمون وساروا إلى بيسان ونهبوا «بلاد الفرنج» بين عكا إلى القدس وخربوها، ورجع المسلمون. وعاد مودود بن التونتكين صاحب الموصل مع طغتكين إلى دمشق، وهناك في صحن المسجد في يوم الجمعة وثب عليه باطني فجرحه أربع جراحات وقُتل الباطني، وأبى مودود أن يموت إلا صائماً، وكان خيراً عادلاً كثير الخير. ويقال إن طغتكين هو الذي تآمر عليه. وكتب ملك الفرنج إلى طغتكين بعد قتل مودود كتاباً جاء فيه: «إن أمة قتلت عميدها يوم عيدها في بيت معبودها لحقيق على الله أن يبيدها»(32)!!

- المسلمون من سكان فلسطين الأصليين استمروا في سكنهم للبلاد التي احتلها الفرنج، ولكن قسماً منهم هجروها إلى شرق الأردن ودمشق، وأنفوا من التعاون مع الصليبيين. ولذلك تعطلت الزراعة في أكثر المدن الساحلية الفلسطينية. وقد عمل هؤلاء على محاربة الصليبيين وقدموا خدمات للمسلمين المهاجمين، وانضموا إلى كتائب المسلمين في بلاد الشام وساعدوهم كأدلاء في فلسطين، ويقول المؤرخ الصليبي وليم الصوري عنهم «إنهم علموا عدونا كيف يدمرنا لأنهم يملكون معلومات كافية عن حالتنا»(33).

وكان من أبرز قادة المسلمين المجاهدين الأوائل أقسنقر البرسقي الذي ولاه السلطان محمد سنة 508هـ الموصل وأعمالها وأمره بقتال الفرنج، وخاض أقسنقر المعارك ضد الصليبيين في شمال الشام، ودخلت -بالإضافة إلى الموصل والجزيرة وسنجار- مدينة حلب سنة 518هـ تحت زعامته فتوسعت جبهته المعادية للصليبيين، غير أنه قُتل رحمه الله سنة 520هـ على يد الباطنية في الموصل وكان أقسنقر مملوكاً تركياً خيراً يحب أهل العلم والصالحين، ويرى العدل ويفعله، وكان من خير الولاة، يحافظ على الصلوات في أوقاتها ويقوم الليل(34).

- الدولة الفاطمية في مصر بقيادة وزيرها الأفضل بدر الجمالي أرسلت حملات عديدة إلى فلسطين وحاولت الدفاع عن مناطق نفوذها على الساحل، غير أن حملاتها لم تكن بمستوى ما تزخر به مصر من قدرات وإمكانات، ويظهر أن حملاتها اتخذت طابعاً استعراضياً، وافتقرت إلى التنسيق الجاد مع القوى الإسلامية في الشام(35). وكان الحكم الفاطمي قد افتقد مصداقيته الجهادية الإسلامية عندما راسل الفرنج وهم يزحفون باتجاه بيت المقدس عارضاً التحالف ضد السلاجقة وتقاسم النفوذ في الشام. ومهما يكن، فإن الدولة الفاطمية كانت في طور الأفول، وكانت تعاني من عوامل الضعف والانهيار.

جهاد عماد الدين زنكي 521 - 541هـ

انفتحت صفحة جديدة لجهاد الصليبيين بظهور عماد الدين زنكي بن أقسنقر وبدء عهد الدولة الزنكية في الموصل وحلب، فقد تولى عماد الدين زنكي أمر ولاية الموصل وأعمالها سنة 521هـ بعد أن ظهرت كفاءته في حكم البصرة وواسط وتولَّى شحنكية العراق(36)، وفي محرم سنة 522هـ تمت له السيطرة على حلب. وأخذ عماد الدين يخوض المعارك تلو المعارك ويحقق الانتصارات على الصليبيين، وعلق ابن الأثير بعد أن تحدث عن انتصار عماد الدين على الفرنج في معركة كبيرة وملكه حصن الأثارب وحصاره حارم سنة 524هـ… «وضعفت قوى الكافرين، وعلموا أن البلاد قد جاءها مالم يكن لهم في حساب، وصار قصاراهم حفظ ما بأيديهم بعد أن كانوا قد طمعوا في ملك الجميع»(37).

واستمرت جهود زنكي في توحيد قوى المسلمين في غزو الصليبيين، فملك زنكي حماة وحمص وبعلبك، وسرجي، ودارا، والمعرة، وكفر طاب، وقلعة الصور في ديار بكر، وقلاع الأكراد الحميدية، وقلعة بعرين، وشهرزور، والحديثة، وقلعة أشب وغيرها من الأكراد الهكارية(38).. . وفي سنة 534هـ حاول زنكي الاستيلاء على دمشق مرتين دون جدوى، فقد كانت دمشق المفتاح الحقيقي لاسترداد فلسطين من جهة الشام، غير أن القائم بأمر الحكم هناك معين الدين أنز راسل الصليبيين للتحالف ضد زنكي ووعدهم أن يحاصر بانياس ويسلمها لهم ووافقوا، ولكن زنكي ذهب إليهم قبل قدومهم لدمشق فلما سمعوا ذلك لم يخرجوا. ومع ذلك فإن معين الدين حاصر بانياس بمساعدة جماعة من الفرنج ثم استولى علىها وسلمها للفرنج(39)!!

غير أن أشهر ما يذكر من الفتوح لزنكي هو فتحه للرها وإسقاطه للمملكة الصليبية التي قامت بها، فقد حاصرها أربعة أسابيع وفتحها عنوة في 6 جمادى الآخرة 539هـ، وفتح ما يتبع هذه المملكة من أعمال في منطقة الجزيرة، وفتح سروج وسائر الأماكن التي كانت للفرنج شرقي الفرات ما عدا البيرة(40).

قتل عماد الدين زنكي -بعد أن حمل راية الجهاد أكثر من عشرين عاماً- في منتصف سبتمبر 1146م- 5 ربيع الأول 541هـ غدراً على يد جماعة من مماليكه بينما كان يحاصر قلعة جعبر(40)، وكان عمره زاد عن ستين سنة وعلى ما ذكر ابن الأثير فقد كان زنكي شديد الهيبة في عسكره ورعيته، عظيم السياسة، لا يقدر القوي على ظلم الضعيف، وكانت البلاد قبل أن يملكها خراباً من الظلم وتنقل الولاة ومجاورة الفرنج، فعمّرها وامتلأت أهلاً وسكاناً «وكان زنكي من خيار الملوك وأحسنهم سيرة وشكلاً، وكان شجاعاً مقداماً حازماً، خضعت له ملوك الأطراف، وكان من أشد الناس غيرة على نساء الرعية، وأجود الملوك معاملة، وأرفقهم بالعامة»(43). واشتهر عماد الدين بعد مقتله بلقب «الشهيد».

لقد عمل عماد الدين زنكي في أجواء صعبة من نزاع بين أمراء وزعماء السلاجقة أنفسهم، وبينهم وبين الخليفة العباسي في أحيان أخرى، ومن أجواء الحكم الوراثي، ونزعة الكثيرين للسيطرة والزعامة حتى ولو على مدينة أو قلعة واحدة، كما عاش فترة كانت القوى الصليبية لا تزال تملك الكثير من القوة والحيوية. ومع ذلك فقد استطاع عماد الدين أن يضع الأسس لقاعدة انطلاق جهادية كبيرة وقوية تمتد من شمال الشام إلى شمال العراق، كما كسر شوكة الصليبيين في مواقع كثيرة، ويسر سبل الجهاد والعمل الجاد لتحرير الأرض، وقدم نموذجاً للحاكم والمجاهد تحت راية الإسلام، وقوى الأمل باسترجاع المقدسات. غير أن أفضل أثر تركه -على ما يظهر لنا- هو ابنه نور الدين محمود.

جهاد نور الدين محمود 541هـ-569هـ

بعد استشهاد زنكي، وحسب الأعراف الوراثية في ذلك الزمان، انقسمت دولته بين ابنيه: نور الدين محمود الذي تولى حلب وما يتبعها وسيف الدين غازي الذي تولى الموصل وما يتبعها.

ولد نور الدين محمود -بعد حوالي عشرين عاماً من سقوط القدس في أيدي الصليبيين- في 17 شوال 511هـ -فبراير 1118م، وكان أسمر طويل القامة، حسن الصورة، ذا لحية خفيفة، وعليه هيبة ووقار. تزوج سنة 541هـ من ابنة معين الدين أنز ورزق ببنت وولدين، وتوفي رحمه الله في 11 شوال 569هـ-15 مايو 1174م(44).

وبحكم نور الدين انفتحت صفحة جديدة رائعة من صفحات الجهاد الإسلامي في بلاد الشام، وطوال 28 عاماً من حكم نور الدين كان واضحاً في ذهنه هدفه الأساسي في تحرير واسترداد بلاد المسلمين، وتوحيدها تحت راية الإسلام.

ومنذ تلك اللحظة أخذ يبذل الأسباب ويعد العدة والعتاد ويوحد جهود المسلمين ويرتقي بهم في جوانب الحياة المختلفة وذلك وفق تصور إسلامي متكامل لإعادة أمجاد المسلمين وطرد الاحتلال الصليبي من بلادهم…

ودخل المعركة وفق فهم إسلامي شامل سليم يؤكد على عقائدية المعركة مع الصليبيين فهي صراع بين حق وباطل وبين إسلام وكفر.

- وأن المعركة تعني كل المسلمين دون نظر إلى قوميات وعصبيات وجنسيات.

- وأنه لا سلام نهائي حتى يسترجع المسلمون كل شبر من أراضيهم.

- وأنه لا بد من الإعداد المتكامل للأمة -حتى تكون على مستوى الجهاد- إيمانياً وثقافياً وتربوياً واجتماعياً وجهادياً وعسكرياً.

- وأنه لا بد من توحيد الجهود تحت راية الإسلام في مواجهة العدو الصليبي.



__________________

أرجو أن تزوروا
منتدى فن هندسة العمارة والديكور الداخلي

[ و غير الأعضاء يستطيعون رؤيه الوصلات بعد التسجيل .اضغط هنا للتسجيل]
[ و غير الأعضاء يستطيعون رؤيه الوصلات بعد التسجيل .اضغط هنا للتسجيل]



حسن التميمي غير متواجد حالياً  
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
  #4
قديم 04-24-2008, 04:05 PM
مشرف مميز: يمنح للمشرف المجتهد فى منتداة ويضع دائما كل جديد من مواضيع لكل الأعضاء - السبب: وايضا يهتم بكل مواضيع الأعضاء ويساعد كل الأعضاء فى منتداة

افتراضي رد: فن العمارة أكاديميا - 65 ..... تراث معماري - فلســــطين الحضـــارة

معالم النهضة الإسلامية

وفي سبيل ذلك قام نور الدين محمود بإحياء نهضة إسلامية أكدت على تكامل الحل الإسلامي، وقد تم التعبير عنها من خلال:

1- القيادة الإسلامية الصادقة

وتمثلت في شخصه وأشخاص من حوله من القادة والمسؤولين والعلماء. فقد كان للتكوين النفسي والشخصية المميزة لنور الدين محمود أثرهما الكبير في وجود قيادة إسلامية واعية، جادة، مجاهدة.

قال ابن الأثير: «طالعت تواريخ الملوك المتقدمين قبل الإسلام، وفيه إلى يومنا هذا، فلم أرَ بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحسن سيرة من الملك العادل نور الدين»(45). فلقد كان «ذكياً، ألمعياً، فطناً، لا تشتبه عليه الأحوال، ولا يتبهرج عليه الرجال»، ولم يتقدم لديه إلا ذوو الفضل، والقدرة على الإنجاز الأمين المسؤول للعمل، ولم ينظر في تقديمه للرجال إلى المكانة الاجتماعية أو للجنس والبلد(46).

كما عرف نور الدين بتقواه وورعه فقد كان حريصاً على أداء السنن وقيام الليل بالأسحار. فكان ينام بعد صلاة العشاء ثم يستيقظ في منتصف الليل فيصلي ويتبتل إلى الله بالدعاء حتى يؤذن الفجر. كما كان كثير الصيام(47).

وتميز بفقهه وعلمه الواسع فلقد تشبه بالعلماء واقتدى بسيرة السلف الصالح، وكان عالماً بالمذهب الحنفي، وحصل على الإجازة في رواية الأحاديث وألف كتاباً عن الجهاد(48).

وكان ذا طبيعة جادة، كما رزقه الله قوة الشخصية فكان «مهيباً مخوفاً مع لينه ورحمته» ومجلسه «لا يذكر فيه إلا العلم والدين والمشورة في الجهاد» «ولم يسمع منه كلمة فحش قط في غضب ولا رضى صموتاً وقوراً»(49).

وكان زاهداً متواضعاً فقد «كان أدنى الفقراء في زمانه أعلى نفقة منه من غير اكتناز، ولا استئثار بالدنيا»، وعندما شكت زوجته الضائقة المادية أعطاها ثلاثة دكاكين له بحمص وقال «ليس لي إلا هذا، وجميع ما بيدي أنا فيه خازن للمسلمين لا أخونهم فيه، ولا أخوض في نار جهنم لأجلك»(50).

قال له الشيخ الفقيه قطب الدين النيسابوري يوماً «بالله عليك لا تخاطر بنفسك وبالإسلام، فإن أصبت في معركة لا يبقى من المسلمين أحد إلا أخذه السيف». فقال له نور الدين «يا قطب الدين!! ومن محمود حتى يقال له هذا؟ قبلي من حفظ البلاد والإسلام؟ ذلك الله الذي لا إله إلا هو»(51).

وعلى اتساع نفوذه وسلطانه جاءه التشريف من الخلافة العباسية وتضمن قائمة بألقابه التي يذكر بها على منابر بغداد تقول «اللهم أصلح المولى السلطان الملك العادل العالم العامل الزاهد العابد الورع المجاهد المرابط المثاغر نور الدين وعدته، ركن الإسلام وسيفه قسيم الدولة وعمادها، اختيار الخلافة ومعزها، رضي الإمامة وأثيرها، فخر الملة ومجدها شمس المعالي وملكها، سيد ملوك المشرق والمغرب وسلطانها، محي العدل في العالمين، منصف المظلوم من الظالمين، ناصر دولة أمير المؤمنين»!! فأوقف هذا كله واكتفى بدعاء واحد هو «اللهم وأصلح عبدك الفقير محمود بن زنكي»(52).

وعرف باتساع شعبيته وحب الناس له حتى في البلاد التي لا يحكمها، وكان يستشعر إحساساً عظيماً بالمسؤولية تجاه الزمن أن يضيع وتجاه الدم المسلم أن يراق والكرامة الإسلامية أن تهدر والأرض الإسلامية أن تستباح فكان يصل في عمله الليل بالنهار. وكان لا يهمل أمراً من أمور رعيته(53).

وحباه الله تكويناً عسكرياً فذاً حمل من خلاله تكاليف الجهاد الشاقة 28 عاماً بنفسية جهادية صادقة(54).

2- التزام أحكام الإسلام وتطبيقها

حرص على تطبيق أحكام الإسلام على الجميع، وكان قدوة في الالتزام بها، وطبقها على مسؤولي الدولة وقادتها، وكما حرص على رد الحقوق إلى أصحاب المظالم وكان يقول «حرام على كل من صحبني أن لا يرفع قصة مظلوم لا يستطيع الوصول إليَّ»، وفي توحيده لبلاد المسلمين كان يحرص على عدم إراقة دماء المسلمين ولذلك كان ذا صبر وحكمة وتأن في ذلك، لقد كان رحمه الله يحفظ الشريعة المطهرة ويقف عند أحكامها(55).

ورغم اضطراره للاصطدام بالعديد من زعماء المدن والقلاع المسلمين في سعيه لتحقيق الوحدة أو لتحالفهم مع الفرنج…، إلا أن دم المسلم كان عنده عظيماً، وكان «لا يقصد ولاية أحد من المسلمين إلا لضرورة، إما ليستعين على قتال الفرنج أو للخوف عليها منهم»(56). وعندما تحالف حكام دمشق مع الصليبيين سنة 544هـ جاهد الصليبيين دون إيذاء المسلمين وضياعهم، وقال «لا حاجة لقتل المسلمين بعضهم بعضاً وأنا أرفههم ليكون بذل نفوسهم في مجاهدة المشركين». لقد شاهد الدماشقة حرمته حتى تمنوه، ودعوا الله أن يكون ملكهم(57).

وعندما رفع عليه أحدهم قضية إلى القاضي، استدعاه القاضي فقال: السمع والطاعة «إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا»، إني جئت ها هنا امتثالاً لأمر الشرع». وفي مرة أخرى دعي للقضاء فاستجاب ولما ثبت أن الحق مع نور الدين وهب لخصمه ما ادعاه عليه(58).

لقد ألغى رحمه الله الضرائب التي تزيد عن الحد الشرعي رغم ما كانت تدر من دخل كبير على ميزانية الدولة ورغم ما يمكن تبرير وجودها -عند البعض- بظروف البلاد والحرب(59). وكان يقول «نحن نحفظ الطريق من لص وقاطع طريق… أفلا نحفظ الدين ونمنع ما يناقضه»(60). وكان أشهى شئ عنده كلمة حق يسمعها أو إرشاد إلى سنة يتبعها(161).

3- البناء الإيماني والتربوي والثقافي

وفي هذا المجال استقدم العلماء العاملين وأفسح لهم مجال العمل والدعوة، وسعى في بناء المدارس والمساجد وأوقف عليها الأوقاف، وحارب البدع والأضاليل… فانتشر نور الإيمان والعلم بين الرعية. وأحيا سمت احترام العلماء وتوقيرهم فرغم أن الأمراء والقادة لم يكونوا يجرؤون على الجلوس في مجلسه دون أمره وإذنه… فإنه كان إذا دخل العالم الفقيه أو الرجل الصالح قام هو إليه وأجلسه وأقبل عليه مظهراً كل احترام وتوقير(62). وكان يقول عن العلماء إنهم «هم جند الله وبدعائهم نُنصَر على الأعداء، ولهم في بيت المال حق أضعاف ما أعطيهم فإن رضوا منا ببعض حقهم فلهم المنة علينا»(63). لقد كانت بلاد الشام خالية من العلم وأهله، وفي زمانه صارت مقراً للعلماء والفقهاء والصوفية(64). وكان يسمع نصيحة العلماء ويجلها ويقول «إن البلخي إذا قال لي: محمود، قامت كل شعرة في جسدي هيبة له ويرقُّ قلبي»(65).

4- الإعمار والبناء الحضاري والاجتماعي:

عرف نور الدين بشخصيته التي تهتم بأحوال المسلمين وتحيي معاني التكافل والتعاون والتضامن بينهم وترفع عنهم معاناتهم وأحوالهم الصعبة… فلقد عمل على كفالة الأيتام وتزويج الأرامل وإغناء الفقراء وبناء المستشفيات والملاجئ ودور الأيتام والأسواق والحمامات والطرق العامة، وتوطين البدو وإقطاعهم الأراضي حتى لا يؤذوا الحجاج. لقد ارتقى بالخدمات التي تقدم للمسلمين فأحبه الشعب وأصبحت صلته بالشعب متينة قوية…، وسرت هذه النفسية البناءة المحبة للخير إلى نفوس رجاله فأصبحوا يتسابقون في خدمة الناس وبناء المدارس والمستشفيات والملاجيء ووسائل الخدمات المختلفة(66).

5- البناء الاقتصادي:

رتب نور الدين ديوان الزكاة في عهده ونظم جبايتها وتوزيعها وفق الأسس الشرعية، وشجع التجارة بتأمين طرق المواصلات ورفع الضرائب التي تثقل حركة التجارة، وسعى في كل ما يقوي الدولة ويدعم بنيانها الاقتصادي(67).

6- البناء الجهادي العسكري:

فلقد سعى في إحياء المعاني الجهادية في النفوس وتربية الأمة على معانيها وتكريس عزة المسلمين ومنعتهم وقوتهم، وبذل الجهد في توفير العدة والعتاد واختيار القادة المناسبين، وحماية المدن وبناء الأسوار والحفاظ على أرواح المسلمين، وتميز بحزمه وقوته في ذلك وكان رده عنيفاً جداً على الأعداء إذا انتهكت حرمات المسلمين، ومن ذلك أنه لم يكد يمر على استلامه للحكم شهر واحد حتى هاجم الصليبيون الرها ظانين أن الحاكم الجديد ضعيف ولكن نور الدين هاجم الصليبيين وقتل ثلاثة أرباع جيشهم الذي هربت فلوله وقد عرفت من يكون هذا القائد الجديد، وحصل مرة أن هاجم الصليبيون نور الدين وجزءاً من جيشه على حين غفلة فأقسم نور الدين أن لا يستظل بسقف حتى ينتقم للإسلام وكان انتقامه رهيباً في معركة حارم إذ قتل منهم الآلاف(68).

حتى الرياضة استفاد منها في مجال الإعداد الجهادي فلقد كانت الحرب تجري في ذلك العصر على الخيول… ولبناء هذه المهارة في التحكم بالخيول وحركتها كان يلعب بمهارة كبيرة لعبة الكرة من فوق الخيول (البولو)(69)!!

لقد حرص على تعبئة طاقات الأمة للجهاد… وهو في بذله لأسبابه لم ينس دعاء الضعفاء والعجائز والمحتاجين فكان يحسن إليهم ويذكر أنه ربما ينتصر ببركة دعائهم.

بهذا البناء المتكامل والإعداد الجاد المتزن دخل نور الدين مرحلة التغيير الجذري على الساحة السياسية ليحقق أمرين سار بهما في اتجاهين متوازيين هما:-

- تحقيق الوحدة الإسلامية وتعبئة قواها في بوتقة واحدة.

- تحطيم القوى الصليبية تدريجياً: بإضعاف هيبتها، وإنهاك قواها، والتحرير التدريجي لأرض المسلمين الواقعة تحت سيطرتها… وذلك بانتظار استكمال الوحدة الإسلامية لتحقيق نصر حاسم ونهائي على هذه القوى الصليبية.

أولاً: جهود الوحدة الإسلامية:

ولقد حرص نور الدين على تحقيقها بقدر كبير من الصبر والحكمة والأناة وحرص شديد على عدم إراقة دماء المسلمين، وقد حرص على استمالة القوى الإسلامية المتعددة في الشمال وشمال العراق وكسب صداقتها، كما كان يكشف بطريقة عاقلة واعية حقيقة أولئك الزعماء والحكام -الذين يقفون حجر عثرة أمام الوحدة الإسلامية- أمام رعيتهم، وكان الناس يقارنون بين جهاده وبين تخاذل حكامهم، وبين إصلاحاته وبين إفساد حكامهم، وبين ولائه لله سبحانه ولرسوله وللمؤمنين وبين ولاء حكامهم لمصالحهم وشهواتهم وللصليبيين!!، فأخذ الناس يتمنون حكمه عليهم…. ولذلك فقد وجد كل ترحيب شعبي عند انضمام أي من بلاد المسلمين إليه.

ضم نور الدين حمص إليه سنة 544هـ -1149م، غير أنه كان يتوق لضم دمشق التي كانت تقف بينه وبين الصليبيين في فلسطين، وكان الحكم في دمشق يسعى بالدرجة الأولى للحفاظ على نفسه فمرة يجاهد الفرنج، ومرة يصانعهم ويهادنهم، ومرة يتحالف معهم إذا خاف من قوة إسلامية ما. ووفق تخطيط متأنٍ يهدف إلى السيطرة على دمشق دون إراقة الدماء، وإلى كسب أهل دمشق إلى صفه، وإلى منع نظام الحكم من الاستعانة بالفرنج عليه إذا قصدهم، استطاع نور الدين أن يفتح دمشق في صفر 549-25 إبريل 1154م، وقد جاء هذا الفتح بعد أن توفي معين الدين أنز 1149م، وبعد أن ضعف الحكم بدمشق، ووقع تحت النفوذ الصليبي الذي فرض الإتاوات على دمشق وكانت رسلهم تدخل البل ويأخذونها منهم(70).

وتوالت سيطرة نور الدين على مدن وقلاع الشام حتى خضعت معظمها له، غير أنه كان يدرك أن السبيل الفعال لتحرير فلسطين واقتلاع الحكم الصليبي منها لا يكون إلا بالسيطرة على مصر ودخولها ضم الن الجبهة الإسلامية المتحدة، ووضع الصليبيين بين فكي الكماشة.

وقد جاءت الفرصة لنور الدين بالسيطرة على مصر عندما استعان أحد المتنافسين على الوزارة واسمه شاور بنور الدين على غريمه ضرغام سنة 559هـ، وعرض على نور الدين ثلث دخل البلاد بعد إقطاعات العساكر ويكون قائده الذي يرسله مقيماً بمصر، ويتصرف بأمر نور الدين. أرسل نورُ الدين أسدَ الدين شيركوه الذي هزم ضرغام وقتله، ولكن شاور غدر بشيركوه واستعان بالفرنج لإخراجه، فجاؤوا وحاصروا شيركوه ورفاقه في بلبيس ثلاثة أشهر حتى جاءتهم أخبار انتصارات نور الدين وملكه (حارم) فعرضوا الصلح والعودة إلى الشام فوافق ولم يكن يعلم ما فعله نور الدين بالشام(71).

واشتد التنافس بين نور الدين وبين الصليبيين على مصر، وخصوصاً أن الدولة الفاطمية كانت في ضعف شديد وفي طور الاحتضار. فأرسل نور الدين أسدَ الدين شيركوه إلى مصر في ألفي فارس في حملة ثانية في ربيع الآخر 562هـ، واستطاع هزيمة الفرنج وجيش مصر بالصعيد، وملك الإسكندرية بمساعدة أهلها وذهب للصعيد فملكه، غير أنه اضطر للعودة إلى دمشق في ذي القعدة بعد أن اشترط على الفرنج ألا يأخذوا ولو قرية واحدة من مصر فوافقوا(72).

وتمت السيطرة لنور الدين على مصر في الحملة الثالثة التي قادها أيضاً أسد الدين شيركوه في ربيع الأول 564هـ، ففي ذلك الوقت كان الفرنج بسبب تحالف (شاور) معهم قد تمكنوا من البلاد المصرية وأصبح لهم نفوذ كبير، وتسلموا أبواب القاهرة وجعلوا لهم فيها جماعة من شجعانهم وأعيان فرسانهم «وحكموا على المسلمين حكماً جائراً وركبوهم بالأذى العظيم» وطمع الفرنج بملك مصر فجاءت حملة بقيادة ملك بيت المقدس احتلت بلبيس عنوة فقتلت وأسرت ثم حاصرت القاهرة، وأرسل الخليفة العاضد إلى نور الدين يستغيثه وأرسل في الكتب شعور النساء وقال هذه شعور (جمع شَعْر) نسائي من قصري يستغثن بك لتنقذهن من الفرنج. فأرسل نور الدين حملته الثالثة فلما قارب أسد الدين مصر خرج الفرنج خائبين، وانتهت الحملة بسيطرة أسد الدين على مصر وقتل الوزير شاور، وتولى أسد الدين الوزارة مكانه في يناير 1169م في 17 ربيع الآخر 564هـ، غير أن أسد الدين توفي بعد شهرين في 22 جمادى الآخرة فولي صلاح الدين يوسف الأيوبي الوزارة مكانه(73).

وبأمر من نور الدين أسقط صلاح الدين الخلافة الفاطمية، وتمت الخطبة للخليفة العباسي المستضيء في ثاني جمعة من محرم 567 هـ-10 سبتمبر 1171م «فلم ينتطح في ذلك عنزان»، ومات الخليفة الفاطمي العاضد في 10 محرم دون أن يعلم بذلك(74). وهكذا، ضمت مصر اسمياً للخلافة العباسية وأصبحت تحت القيادة الفعلية لنور الدين.

وفي 566هـ -1170م ضم نور الدين الموصل والمناطق التي تتبعها إلى حكمه(75)، كما ضم نور الدين اليمن إلى حكمه سنة 569هـ-1173 عندما أذن لصلاح الدين بفتحها فأرسل إليها أخاه توران شاه بن أيوب حيث تمت له السيطرة عليها(76)، وبذلك امتدت الجبهة الإسلامية المتحدة من العراق إلى الشام فمصر واليمن مما أنذر بقرب القضاء على الصليبيين.

ثانياً: تحطيم القوى الصليبية:

خلال فترة حكمه التي امتدت من 1146-1174م لم تتوقف المعارك وحروب الجهاد بين نور الدين والصليبيين، وفي الوقت الذي كان يدعم فيه حكمه ويوحد جهود المسلمين كان يقوم بالاستيلاء التدريجي على الممالك الصليبية ويضعف قوتها يوماً بعد يوم وهو يعد للمعركة الفاصلة معهم، وخلال تلك الفترة استطاع نور الدين في جهاده الإسلامي استرجاع وتحرير حوالي 50 مدينة وقلعة مما كان تحت سيطرة الصليبيين.

فمنذ بداية حكمه أحكم السيطرة على منطقة الرها وصفَّى الأملاك التي كانت تتبعها (تل باشر، سميساط، قلعة الروم، دلوك، الراوندان، قورس، مرعش، إعزاز، عينتاب، البيرة…) وذلك خلال الفترة بين 1146 - 1151م.

كما استعاد وحرر جميع الأراضي التي كانت تتبع إمارة أنطاكية شرقي نهر العاصي (1147- 1149م) وقتل في أحد معاركها (أنب 29/يوليو/1149) أمير أنطاكية ريموند، وزعيم الباطنية المتعامل معهم ضد المسلمين علي بن وفا. وقام بدور أساسي في تحطيم الحملة الصليبية الثانية (1147-1148) التي شارك فيها ملك فرنسا لويس السابع وإمبراطور ألمانيا كونراد الثالث والتي تعتبر نقطة تحول خطيرة في تاريخ الحروب الصليبية حيث كسرت هيبة الصليبيين ورفعت الروح المعنوية لدى المسلمين(77).

واستمرت الحروب سجالاً، ووقعت العديد من المعارك الهامة، أدت إلى إضعاف النفوذ الصليبي وضم مناطق جديدة لنور الدين على حساب الصليبيين.. حتى أحكم نور الدين إحاطة مملكة بيت المقدس الصليبية. ولا يتسع المجال لذكر المعارك والوقائع كلها ولكنا نكتفي بالإشارة إلى إحداها وهي التي وقعت عند تل حارم في رمضان 559هـ- 11 أغسطس 1164م.

ففي سنة 558هـ كان نور الدين قد انهزم من الفرنج تحت حصن الأكراد، وهي المعركة التي عرفت بـ «البقيعة»، حيث كبسهم الفرنج فجأة وأكثروا فيهم القتل والأسر، ونجا نور الدين في اللحظة الحاسمة وهرب، ونزل قرب حمص وهناك أقسم «والله لا أستظل بسقف حتى آخذ بثأري وثأر الإسلام» ثم أرسل إلى حلب ودمشق وأحضر الأموال والثياب والخيل والسلاح فأعطى الناس عوض ما أخذ منهم جميعه وعاد العسكر «كأن لم تصبه هزيمة»(78).

ولما رأى أصحاب نور الدين كثرة خروجه للجهاد وإنفاقه عليه قال له بعضهم «إن لك في بلادك إدرارات وصدقات كثيرة على الفقهاء والفقراء والصوفية والقراء فلو استعنت بها في هذا الوقت لكان أصلح، فغضب من ذلك وقال «والله إني لا أرجو النصر إلا بأولئك، فإنّما ترزقون وتنصرون بضعفائكم، كيف أقطع صلات قوم يقاتلون عني وأنا نائم على فراشي بسهام لا تخطئ وأصرفها على من لا يقاتل عني إلا إذا رآني بسهام قد تصيب وقد تخطئ، وهؤلاء القوم لهم نصيب في بيت المال، كيف يحل لي أن أعطيه غيرهم»؟!(79)

وعرض الفرنج الصلح، لكن نور الدين رفض.واجتمع جيشا المسلمين والفرنج بعد أن حشدا حشوداً ضخمة عند حارم. وقبيل القتال انفرد نور الدين بنفسه تحت تل حارم وسجد لله ومرَّغ وجهه وتضرع «يا رب هؤلاء عبيدك وهم أولياؤك، وهؤلاء عبيدك وهم أعداؤك، فانصر أولياءك على أعدائك»… «إيش فضول محمود في الوسط»!!.. وقال «اللهم انصر دينك ولا تنصر محموداً. من محمود الكلب حتى يُنصر»؟!! يحقر نفسه ويتذلل إلى الله سبحانه(80).

والتحم الفريقان في 11 أغسطس 1164، وانكشفت المعركة الكبرى عن كارثة هائلة حلت بالصليبيين إذ قتل منهم عشرة آلاف وأسر عشرة آلاف أو أكثر، وكان من بين الأسرى أمير أنطاكية وأمير طرابلس وحاكم قيليقية البيزنطي وأسر جميع الأمراء عدا أمير الأرمن. وفي اليوم التالي استولى نور الدين على حارم…، وكان ذلك فتحاً كبيراً(81).

وفي عام 1173م-569هـ كان نور الدين قد أعد عدته للهجوم النهائي على بيت المقدس وتحرير أرض الإسراء من النفوذ الصليبي حتى إنه قد جهز منبراً جديداً رائعاً للمسجد الأقصى يوضع فيه بعد الانتصار على الصليبيين بإذن الله، وراسل في ذلك عامله على مصر صلاح الدين الذي تلكأ بسبب الظروف الخاصة التي تواجهه في مصر والتي يرى أنها تحتاج إلى صبر وأناة وإعداد. ولم يرض نور الدين بذلك التأخر فقرر الذهاب إلى مصر وترتيب أمورها بنفسه إلا أن المنيَّة عاجلته، فتوفي رحمه الله في 15/مايو/1174م الموافق 11 من شوال 570هـ(82).

وهكذا انطوت صفحة رائعة من صفحات الجهاد أيام الحروب الصليبية إلا أن الصفحة التي تلتها كانت مشرقة ومؤثرة في مسار التاريخ تلك هي صفحة صلاح الدين الأيوبي.

جهاد صلاح الدين الأيوبي 569-589هـ

رفع الراية -من بعد نور الدين محمود- صلاح الدين الأيوبي وقد سار على خطى سلفه نور الدين، فقد ترسم المنهج الإسلامي والحل الإسلامي في تحطيم القوى الصليبية وتحرير الأرض المقدسة.

جاء صلاح الدين وقد وجد أن نور الدين قد هيأ الظروف المناسبة لاسترداد الأرض المقدسة فاستغلها أحسن استغلال وقطف ثمارها اليانعة بعد سنوات من حكمه.

ولد صلاح الدين يوسف بن أيوب 532هـ - 1137م بقلعة تكريت وكان أبوه والياً عليها، دخل هو وأبوه وعمه في خدمة نور الدين محمود، وشارك عمه أسد الدين شيركوه في حملاته الثلاث على مصر، وولي الوزارة في مصر وعمره 32 سنة.

يوصف صلاح الدين بأنه كان حسن العقيدة، كثير الذكر، شديد المواظبة على صلاة الجماعة، ويواظب على السنة والنوافل، ويقوم الليل. وكان يحب سماع القرآن وينتقي إمامه، وكان رقيق القلب خاشع الدمعة إذا سمع القرآن دمعت عيناه، شديد الرغبة في سماع الحديث، كثير التعظيم لشعائر الله. وكان حسن الظن بالله .كثير الاعتماد عليه عظيم الإنابة إليه.

وكان صلاح الدين عادلاً رؤوفاً رحيماً ناصراً للضعيف على القوي، وكان كريماً. وكان حسن العشرة، لطيف الأخلاق، طاهر المجلس لا يذكر أحد بين يديه إلابخير، طاهر السمع…، طاهر اللسان، طاهر القلم فما كتب إيذاء لمسلم قط.

وكان شجاعاً شديد البأس والمواظبة على الجهاد عالي الهمة، قال يوماً وهو قرب عكا «في نفسي أنه متى ما يسر الله تعالى فتح بقية السواحل قسمت البلاد، وأوصيت وودعت، وركبت هذا البحر إلى جزائرهم أتتبعهم فيها حتى لا أبقي على وجه الأرض من يكفر بالله أو أموت».

ومات صلاح الدين ولم يكن لديه من الأموال ما تجب فيه الزكاة، واستنفدت صدقة النفل جميع ما ملكه، ولم يخلف في خزائنه من الفضة والذهب إلا 47 درهماً ناصرية، وديناراً واحداً ذهباً، ولم يخلف ملكاً ولا داراً ولا عقاراً ولا مزرعة… عزم على الحج في السنة التي توفي فيها ولكنه تعوق بسبب ضيق ذات اليد وضيق الوقت(83).



__________________

أرجو أن تزوروا
منتدى فن هندسة العمارة والديكور الداخلي

[ و غير الأعضاء يستطيعون رؤيه الوصلات بعد التسجيل .اضغط هنا للتسجيل]
[ و غير الأعضاء يستطيعون رؤيه الوصلات بعد التسجيل .اضغط هنا للتسجيل]



حسن التميمي غير متواجد حالياً  
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
  #5
قديم 04-24-2008, 04:07 PM
مشرف هندسة العمارة
 
الصورة الرمزية حسن التميمي







من مواضيعي