أكتسب الباب والبوابة رمزية إستثنائية وأحيط في أعرافنا الشعبية بهالة من الروحانيات والهواجس وعالم الظنون ،وتراكب معناه وتداخل مع "باب الله "و"باب الرزق" و"باب الفرج" و"باب الحوائج" ،. وقيل عنه في الأمثال (البيبان لها أذان) لما يوحي بالتوجس والشك وإستراق السمع ونقل الاسرار . وحصر حرم الصلاة في المساجد (بين الباب والمحراب) . وأصبح الباب يكتنف خلفه صندوق أسرار البيوت ،ويكتم خباياها ،وربما يكون هذا مبررا كافيا وراء تصويره في لوحات الإستشراقيين بموقع جوهري، لكونه كاتم سر الشرق الغامض. وتداولت الألسن أهمية عتبته
وما يتعلق بها من ضروب الحظ والطالع والغيب. و نجد النسوة يليّسن ابواب قبور أضرحة المقد سين والصالحين من البشر بالحناء ،تجسيدا لتبجيل وعرفانا بقدسية . ويتعدى الباب كونه جمادا غير عابئ بالذاهبين والأيبين الى روح يقول فيها شاكر لعيبي (ليس الباب في الأصل من الحجر أو الخشب ولكنه من الروح).
ونرصد لكلمة "باب" تسميات لمواقع ومدن كباب المندب وباب الهوى وأشهرها قاطبة مدينة بابل الواردة من مركب (باب إيل) الأكدية بما يعني (باب الله).ووردت في تسميات أحياء المدن المتاخمة في العادة لبواباتها، كما في أحياء بغداد (الباب الشرقي) و (باب الشيخ) القريب من ضريح الصوفي الجليل عبدالقادر الكيلاني ،و(باب المعظم) المؤدي لضريح الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان ،وكذلك الحال في تسمية حي (باب المردوم) المتاخم لإحدى مداخل مدينة طليطلة ،والمشهور بمسجده المبني عام 999م، وحي (باب الجياد) في مدينة تلمسان الجزائرية وحي (باب الواد) المشهور على تخوم قصبة مدينة الجزائر. أما كلمة (باب) فهي واردة من اصول قديمة في اللغات المورثة للعربية (السامية) .
و لهيئة الباب وشكله وموقعه و حجمه تداخل جوهري مع ممارسات الزهد المعماري، الذي ورد صنوا للخطاب الأخلاقي الشامل للإسلام قبل أن يحرف تباعا من الخلفاء والسلاطين والولاة. و أقترن الباب برمزية أخلاقية بما يمثل الحاجب والعازل بين الحاكم والمحكوم ، و خير الأمثلة على ذلك ترد في سيرة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب (رض) خلال الرسالة التي بعثها الى سعد بن أبي وقاص في الكوفة، أمرا موفديه بحرق باب قصر الإمارة ليجعل منه رمزا لإنفتاح الصلة بين الحاكم والمحكوم وعدم وجود الحواجب "البابية" بينهما. وورد في نص رسالته : (بلغني انك بنيت قصرا اتخذته حصنا ويسمى قصر سعد وجعلت بينك وبين الناس "بابا" فليس بقصرك ولكنه قصر الخبال . انزل منه منزلا مما يلي بيوت الأموال و أغلقه ولا تجعل على القصر بابا يمنع الناس من دخوله ) .
عمارة البيبان
و الباب حالة متعددة الورود ، تتجسد بنقطة الولوج إلى البناء أو الحجرات . أما "البوابة" فتطلق على أبواب المشيدات الهامة التي تتميز بضخامة بنائها ، وفخامة زخارفها واتساع رقعتها ،كمداخل المدن و الأسوار والمساجد الجامعة ، والمدارس ، ودور الصوفية (الخوانق ، والتكايا ، والزوايا )والبيمارستانات ، والقصور ، والقلاع ،والخانات ، والأضرحة .
و تعود سنة عمارة "بوابات" المدن الى قيام المدن الاولى (النامات) في الرافدين العتيق ،عندما اقتضى تسويرها. و يقول (اوبينهيم) بهذا الصدد : (لم تكن اسوار المدن فى الشرق الاوسط القديم مجرد خط فاصل بين المدينة والارجاء المكشوفة او خط معد سلفا للدفاع ، فقد كانت تحدد الطابع المعماري للمدينة . حيث ارتفاع الاسوار وطولها وموضعها تشهد على اهمية المدينة وجبروتها ، وكانت ضخامة البوابات تبين غناها . وكان تصميم البوابات الضخم مرتبطا كذلك بوجود مايشبه(مركزا مدنيا) قربها فهناك ، كانت تنعقد الاجتماعات وتتخذ القرارات ، ربما فى ساحة متاخمة للبوابة من داخل المدينة ، وكان حاكم المدينة يدير المدينة او على الاقل جزءها المتاخم للبوابة). ومازال هذا التقليد يرد حتى يومنا هذا في بعض المدن العربية والإسلامية مثل مدائن المغرب العربي حينما تقوم الأسواق والمواسم على تخوم بوابات المدن.
وحدث خلط جوهري في أصول البوابات الواردة في صروح العمارة الإسلامية ،فأقر الغربيون وكرر الشرقيون لاحقا بأنها جاءت من مصادر رومانية ومقتفية لأثر (أقواس النصر Triunph arch) ، متنكرين في ذلك للأرث الغني للعمائر التي سبقت روما واليونان بالآف السنين ،و تناسوا نموذج بوابة عشتار الجميلة في بابل (مبنية بحدود 575 ق.م) ،التي سبقت بمئات السنين أقدم بوابة نصر. وقد حدث أن أنتزع الألمان البوابة من بابل آجرا آجرا، وتم تركيبها في متحف (Staatliche Museen) في مدينة برلين القابعة بها حتى اليوم. و يعتقد الباحثون أن آجرها تعرض لحرارة قدرها 1000 درجة مئوية ،و غشيت بالآجر المطلي بالمينا ، و استعملت ألوان غلب عليها الأزرق والأصفر . ويعتبر ذلك من بواكير المعالجات التزويقية للمداخل .
وفي سياق ذكرالأبواب المنقولة نجد بوابة مدينة نينوى ترزح في أحدى قاعات المتحف البريطاني في لندن ، وهو عبارة عن باب خشبي سامق الإرتفاع غشي بطبقة من معدن البرونز ،الذي تآكل جزء منه ،وقد عولجت الطبقة المعدنية بـ"موتيفات" من فنون النحت البارز الخاص بالفن الآشوري ،بحيث يمكن أن يشكل هذا الآثر أقدم الأمثلة الباقية على تقليد تغشية البيبان الخشبية بالمعدن ،و الذي شاع بعد ذلك،ولاسيما في الفنون الإسلامية. ومن التراث المعماري نجد أجمل أمثلة من البوابات متجسدة في بوابات مدينة الحضر الواقعة في بادية العراق الشمالية ،ولاسيما في مدخل معبد (شحيرو) .
وفي سياق غنائم البيبان في التاريخ السابق للإسلام نذكر ما جاء في أخبار الملك الفارسي داريوس عندما أحتل مدينة بابل عام 539 ق.م ،ونقل أبوابها النحاسية . و في عهود الإسلام حدث بان بيبان بغداد المنصورية المصنوعة من النحاس الجيد كان قد جلبها أبو جعفر من مدينة واسط وعددها خمسة أستعمل اربعة منها لمدخل المدينة والخامسة لقصره (القبة الخضراء)في وسطها. و تذكر الأساطير بأن تلك البيبان كان قد وضعها سليمان إبن داود ،عندما أمر الجن بصناعتها من المعدن ،بما لايستطيع عليه بني البشر، وأرادها لمدينة أسسها يطلقون عليها (أزندوار) تقع قرب موقع واسط ، وقد سلبها الحجاج الثقفي من أطلال تلك المدينة ونقلها الى مدينته . ثم نقلت تلك الأبواب بعد قرنين الى قصر معز الدولة البويهي عندما بنى قصره في الشماسية (الأعظمية اليوم) ،ثم أنقطعت أخبارها بعد خراب البويهيين وقصرهم . وحدث الأمر عينه إبان الدولة المملوكية عندما صادر محمد بن قلاوون بعض ابواب الشام لينقلها الى مدرستة التي شملت ضريحه ،او بوابة مدرسة السلطان حسن النحاسية الرائعة(1356م) وقد وجدت على مدخل مسجد المؤيد في القاهرة المبني بين أعوام (1415- 21م). ويقع هذا الجامع اليوم في شارع المعز لدين الله ، وبابه هذا يقع في الطرف الشمالي للبناء ،وهو من الخشب المصفح بالنحاس والمكفت بالذهب والفضة، ومن الطريف ان هذا الباب أبى إلا أن يحتفظ بنقش يذكر بصاحبه الأصلي السلطان حسن .
الباب والبوابة
ويعتبر الباب والبوابة جزء من المنظومة المعمارية،ودالة للجانب الهيكلي والجمالي وكعنصرا وضيفيا يشكل صماما بين فضائين معماريين وكحد فاصل بين حرمة وخصوصية الداخل من جانب، ومشاع وعمومية الخارج من جانب أخر,ويتعدى ذلك الى الوظيفية المناخية كون جانبيه يشكلان حدود التدفق الحراري في المبنى(fluxion ). و أقترن إختيار موضع البوابة بخصوصية تخطيطية ، كان للمحورية فيها غلبة وسطوة ،ولاسيما في المخططات الكبرى ، ويرسم البابين المتتابعين ،المسلك الذي يربط نقطتين أو موقعين أو قطبين من الفضاءات المعمارية عموما ، وجاءت بوابات المدن متحاورة على العموم . و أكتسبت وظيفية من خلال وجودها في إتجاهات القوافل نحو الأمصار كما في بغداد المدورة بنيت عام ( 145هـ -762م) حيث سميت بأسماء خراسان والشام والكوفة والبصرة. وورد أن مدينة بغداد قد سميت بالزوراء ،بسبب الإزورار في حركة السير لتخطيط بواباتها ، كما يذهب إليه بعض المؤرخين.
لقد عولجت الأبواب الدفاعية عموما بشكل إستثنائي ،لتكريس الحماية للمدن،وفي شمال أفريقيا نجد اقدمها في رباطي سوسة والمنستير في تونس المبنية إبان الحقبة الأغلبية في أواسط القرن التاسع الميلادي ،حيث زودت بـ(سقاطة) وهي فتحة تقع أعلى البوابة بغرض صب الزيت المغلي على الأعداء. والحال نفسه ينطبق على مداخل مدينة القاهرة الفاطمية (زويلة ) و(الفتوح) ، التي ترجع تصميمه الى المعمار ( يوحنا الراهب) الأرمني الأصل والمصري الإقامة ، و ذكر منظر العمارة ماير Mayer في كتابه (العمارة الإسلامية وحرفها ) بأنه أحد ثلاث ممن أشرفوا على عمارة الأبواب الثلاث للقاهرة الفاطمية في وقت الوزير الأرمني الأصل بدر الجمالي وهم باب الفتوح(480هـ-1087م) وباب النصر(480هـ-1087م) بالحائط الشمالي وباب زويلة (485هـ –1092م) في السور الجنوبي من القاهرة التي بناها جوهر الصقلي عام (358هـ-969م).
ويظهر في تصميم الأبواب الثلاث إقتباسات من عمارة آسيا الصغرى التي تعتبر جذورها شامية وآشورية وحيثية ثم بيزنطية ومن فروعها العمارة الأرمنية . وتشترك هذه المدرسة باستعمالها مداميك الحجارة الكبيرة المنحوتة والمهندمة . وقد استعمل المعمار الأعمدة الحجرية داخل الأسوار للتقوية والربط. وقد كانت قد استعملت هذه الطريقة كذلك في العمارة الرومانية. وقد استقدمت الى تلك البوابات بعض الحجارة من المعابد الفرعونية. وهنا نلاحظ الاختلاف في تصميم كل من باب زويلة والفتوح عن باب النصر.ففي باب النصر نجد البرجين مربعين بينما في الأمثلة الأخرى نجد الأبراج مستديرة.كذلك استعمل القبو المتقاطع في تغطية باب النصر بينما أستعملت القباب الكروية المحمولة على مثلثات في الأركان في الأبواب الأخرى - وهو أول مثال يطبق في مصر-.وقد زين باب النصر برسومات للآلات الحربية. وفي باب الفتوح استعملت كوابيل حجرية على هيئة رأس الكبش. وقد جهزت الأبواب والأسوار بفتحات وأبراج للحراسة . ومن الجدير ذكرة أن كثير من البوابات ورد أسمها في كتب التراث ولاسيما في قلعة صلاح الدين،ولم يعد لها وجود مثل باب الدرفيل .. وباب القلة .. وباب النحاس.. وباب سارية.. وباب المدرج.. وباب القرافة.. وباب السلسلة.. وباب الجبل.. وباب العزب. وقد زالت بعض تلك الأبواب ولم يعد لها أثر، كما بقيت أبواب أخرى مازالت شاهدة على مدى قوة تحصينات القلعة طبقا للمفاهيم الحربية خلال تلك العصور الإسلامية . و تعتبر تلك البوابات مع بوابات مدن الرباط ومراكش وفاس والباب الوسطاني في بغداد من أجمل الآثار الإسلامية .
وقد ورثت بعض المدن الإسلامية أسوارها وبواباتها من آثار سبقت عهود المسلمين ،واشهرها أسوار مدينة أسطنبول وسور (قلعة حصار) التي تطوق المدينة. والحال نفسه نجده في بعض المدن العربية مثل سوسه التونسية التي يعود سورها وبعض بواباتها الى العهود البيزنطية.
وتتميز البوابات وفق خصائص عمارة الحقبة التي أقيمت بها ،ونجد أحيانا قد أختلطت عدة طرز في بوابة واحدة،بسبب التأثير في حين البناء أو من خلال الزيادات والترميمات والإصلاحات اللاحقة لها ،كما هو الحال في بوابة البيمارستان النوري في دمشق، الذي يعود للعهد السلجوقي ، حيث الجملون المزخرف الذي يعلو باب المدخل يعود لطراز ، وفوق هذا الجملون لطراز آخر .ويعتبر البوابه من أجمل الآثار السلجوقية المتراكبة من حطات المقرنصات بحيث تكون بمجموعها هرما تعلوه طاسة مظلية ، وفي قاعدة هذا الهرم نسق من الأعمدة المعقودة بالأقواس المفصصة.
بوابات إسلامية
وللتمييز بين البوابات الفاطمية والأيوبية نجده يتجسد بالارتفاع ، وبعرض المداميك والأحجار الكبيرة المهندمة مقارنة مع العهود اللاحقة،ولاسيما العثمانية، كما تميزت بالعقود المقرنصة، لكنها لم ترق إلى مستوى الترف الزخرفي الذي ظهر في العهد المملوكي اللاحق . ويعود السبب في هذا التقشف إلى انشغال الدولة بمحاربة "أعداء الدولة" وكذلك بالحروب الصليبية في معظم الأوقات . وشيدت بوابات العهد المملوكي وواجهات المباني بالمداميك الحجرية التي تقل ارتفاعا عن مداميك العهد الأيوبي ، وأدخل فيها عنصر (الأبلق) ، لتكسر رتابة طغيان اللون الواحد . كما طورت أشكال مقرنصات البوابات فجاءت أكثر غنى ، وظهرت الصدفات ذات الزخارف المتنوعة فوق مقرنصات البوابات بديلا عن الطاسة التي لم تختف إنما تقلص انتشارها .
وعلى العموم فأن العمارة المملوكية أتصفت كذلك بالصرحية والتباري في الأبهة والخيلاء بين سلاطينها. وقد تقلص ذلك في العصر العثماني ليس زهدا ولا تمسكا بأهداب الدين و إنما لقلة الحال وتقتير اليد، حيث استبدل غناء المقرنصات بأطر غريبة لم تهبها ذات القيمة التي أكسبتها لها تدرج صفوف المقرنصات ، ودخل القاشاني "الازنيقي" و"البورصي" تباعا في تزيينات الجدران، مما شكل حالة مستجدة على العمارة السورية المصرية بالتحديد والتي لم تألف ذلك النوع من المعالجات الزخرفية. وفي العمارة المغربية الأندلسية أخذت البوابة قيمة استثنائية كما هو حال بوابات الموحدين في الرباط وقصر الحمراء في غر ناطة.
وفي عمارة المساجد حدد وضع الأبواب صفاء المسقط وتجانس أجزاءه ومباشرة وظائفه. ونجد المنائر صاحبة الحضوة في شاقولية عناصر العمران الإسلامي ،قد حدد لها مواقع متناضرة ومتجانسه مع موقع الأبواب ،وقد وردت في سامراء على محور المدخل وخارجه ،بينما في مسجد المنصورة على -تخوم تلمسان الجزائرية- بنى المرابطون المدخل ،تحت الصومعة (المنارة) ،وجزءا منها. ووردت المنائر المدورة الصغيرة في فارس وأذربيجان وآسيا الوسطى بشكل متناظر بموقع متاخم للمداخل ،بحيث يوظف في عملية (التشديد Exentuate )التي يراد منها إضفاء جمالا وتميزا بصريا و هيبة ، ولفت للإنتباه .وهذه غاية معمارية بحد ذاتها، لها أبعاد سايكولوجية ، تستغل خلالها الوسيلة البصرية من أجل غايات الجذب والإستدعاء وترغيب الولوج الى المعلم .
وفي السياق السيكولوجي يمكن ان يكون للصرحية و الإرتفاع المبالغ به والمقاسات الإستثنائية أسلوبا معماريا يراد من وراءه شعور بالرهبة ،كما هي هيبة الجبال لدى الإنسان الأول التي تنعكس في التبجيل وتتصاعد لتطأ حالة التقديس . وقد مارست تلك المعالجات المبالغة في عدة مدارس معمارية إسلامية ،ومنها العراقية- الإيرانية ،والأندلسية- المغربية ، و الهندية التي أصبح باب المدخل فيها مجمع ومعلم قائم بذاته ،يشتمل على المرافق المتعددة ،ويتسم بالأبهة وثراء المعالجات الفنية.
ومن أهداف البحث عن " الصرحية" للمداخل ،فقد أقتبست العمارة الإسلامية أسلوب رفع المداخل عن سطح الأرض بغرض إعطائها هيبة أستثنائية من خلال المعارج التي توصل الوالج بين مستوى الأرض ومستوى المدخل. وعادة ماكان ذلك السمو المفتعل يوظف بطابق أرضي كامل الظهور أو مطمور جزئيا في الأرض (نصف سرداب ) ، وبذلك تكون البوابة في المستوى الثاني للبناء. ومن الجدير ذكره أن ذلك الأسلوب ظهر في العمارة المملوكية في مصر ،ونجد أحسن الأمثلة في مدخل مدرسة السلطان حسن الباسقة االمتوجة بحلة من طبقات المفرنصات ، من أكثر الأمثلة نموذجية نجدها مجسدة في مجموعة (السلطان الغوري) المعمارية في القاهرة . ويجدر ذكر أن ذلك الحل المعماري جاء متزامنا مع ظهوره في أوربا قبيل النهضة ،والذي سخر بالعادة في "صرحية" الكنائس الذي كان غاية معمارية بحد ذاته كما ذهب الى ذلك منظرها (ليون باتيستا البرتي) (1404-1472) ،وطبقها (بالاديوا) (1508-1580) في مبنى (الروتوندا) المشهور.
ونجد خير الأمثلة على الغايات "الصرحية" للبوابات الإسلامية مجسدا في بوابة جامع ( بولاند- دروازة) الذي معناه "البوابة الشامخة" ،وهو إحدى معالم مدينة (فتح بور سكري ) الدارسة التي بناها السلطان أكبر المغولي عام 1576م في موقع صحراوي في شمال الهند . وبوابة المسجد الجامع ذات قيمة صرحية استثنائية شيدها السلطان تخليدا لانتصاراته ،ووصفها الرحالة الإنكليزي (وليم فنج) الذي زار المدينة عام 1610 (بأنها من اجمل البوابات و أعلاها ) ، وارتفاع البوابة يبلغ 40م زاد في صرحيتها موقعها الباسق على إرتفاع مقارب لإرتفاعها ،الذي تصل إليه بمعرج رخامي . وتعلوا هذه البوابة مجموعة من القباب وطرزاً للخط ، نقرأ خلاله نصا ذو دلالات ،كتب فيه ( قال عيسى عليه السلام : الدنيا قنطرة أعبرها و لا تبن عليها بيتا و الدنيا زائلة فاقضها بالنسك ) . وهذه العبارة ذات الدلالات الصوفية كان قد رواها كذلك أبن عبد ربه الأندلسي في كتابه العقد الفريد بصيغة مشابهة . وما نراه في عمارة هذه البوابة حالة متناقضة ، تنم عن روح نفاق ،من حيث كونها دعوة للزهد في البناء ،وما نجده محض تبذير وخيلاء ،يرسم لنا من خلالها ممارسة أخلاقية في حيثيات العمارة.
البوابة في الحداثة
وفي العمائر الحديثة أصبحت البوابات من أكثر العناصر التي تضطلع بأهمية الموقع والمعالجة .ويعتبر إختيار موقعه بالنسبة للبناء مهمة جوهرية في عقلانية التخطيط ،بما يتناسب مع حركة الناس والشوارع ،وإمكانيات الخروج الإضطراري ومستلزمات الإنقاذ .ويمكن أن يكون موقع المدخل في زاوية البناء في حالة الموقع الركني، الذي يتمتع بأفضلية في التصميم بحيث ينعكس على الناحية الجمالية لمعالجات الأركان في واجهات المبنى.
و نجد تجارب عالمية تتمثل في تصميم المبنى بكاملة على شكل بوابة تخدم أغراض التخطيط الحضري كما هو الحال في عمارة (برج الدفاع La diffance ) في باريس المصمم بشكل بوابة كبيرة تتمحور مع إتجاه برج (أيفل) الباريسي ،وحدائقة الغناء ،ويوحي بكونها بوابه للجنان الفاصلة بينهما.
وفي نفس السياق نجد في الحداثة المعمارية العربية إنتباهات لذلك العنصرر جسدها المعمار العراقي محمد صالح مكية (مولود في بغداد 1914) .لقد أختص بمعالجة البوابات بشكل منفصل عن البناء ليهبه شكلا رمزيا يتسم بالصرحية ،ومنها بوابة مدينة خليفة في البحرين ، وبوابة مدينة جدة. ونجد مكية يقول بهذا الصدد: (كنت قد أقترحت أن تكون بوابة الكوفة إحدى أجزاء مشروع جامع الدولة الكبير الذي أشتغلت به في ثمانينات القرن العشرين . فلسفتي هي إعطاء المكان قيمة أكثر من التصميم. وعادة ما تدفعني غاية إضهار المفردات المعمارية للبناية أن أتعامل مع الفضاء التابع له بما يمكن أن يحقق صفة الفضاء المفتوح والمغلق(Open-close space) . كل ذلك يجعلنا مجبرين أن نلجأ الى تفكيك العمارة التراثية عند التعامل معها بغرض تحسين أدائها وتطوير ملكاتها و إعطائها بعدا أخر يسمح لها الكسب من معين السماء والضوء وما يمكنها أن تستحوذ عليه منها) .
ويسترسل مكية في موقفه من البوابه عندما يصف مشروع مجمع المحاكم في الرياض قائلا
كانت البناية الرئيسية للإدارات برجا بنائيا يرتفع خمسة عشر طابقا .وبالرغم من أن هذا المجمع له خصوصياته بما يتعلق بالحكم والعدل الذي يمكن أن يكتسب الرمزية الأفقية الدالة على المساواة وعدم اختلاف المستوى بين الحاكم والمحكوم وقربهم الى الأرض،والذي يكتسب أيضا صفة من صفات العمارة التراثية. لقد كنت أجسد بذلك فهم متحرك وغير جامد للتراث من خلال إعطاء التعامل مع فضاء المدينة وحركتها ككل وخصوصية المكان والواجبات التي حتمت أن أوازن بين الفضاءات المغلقة وشبه المفتوحة والمفتوحة(open, semiopen & close) وكذلك بين الأفقي والعمودي لفضاءات المجمع. وبذلك أخترت لهذا البرج أن يضطلع بشكل البوابة الصرحية الرئيسية له ليخلق هذا التوازن بين الأفقي والعمودي. أن لضرورة خلق فضاءات معمارية متوازنة مع حالة المدن الجديدة التي وصل عرض الشارع فيها بين 40-60 متر مما يقتضي إعطاء المستوى الأرضي أهمية استثنائية ،ولغرض تحاشي امتداد البناء الأفقي والمعالجة بالممرات الطويلة المملة ،فقد ارتأيت أن يكون هذا البرج "البوابة" ينتمي الى تراث المدينة والمنطقة من خلال جعل شبابيكها تطل الى داخل البناء وليس الى خارجه .ومبدأ التطويق أو التسييج (Enclosure) عينه كنت قد طبقته في بناية البنك الإسلامي في جدة،وغيرها من البنايات البرجية التي صممتها بحيث يكمن في مجملها إمكانية وهب تلك الصرحية العمودية قيمة وحقوق تصميمية. وهكذا أتخذ برج مجمع المحاكم في الرياض شكل بوابه كبيرة . وهكذا يمكن أن تشكل البوابات والابواب الحداثية ومعالجاتها وشجونها مصدر إلهام من مصادرالتراث ،وزاد سفر للمعمار في أثراء الحداثة المعمارية.