جمالية العمارة في الثقافة الإسلامية
ثقافة وفن
نجح فن العمارة الإسلامية في تحقيق التوازن التام بين الجوانب المادية والمشاعر الروحانية من خلال مجموعة من القواعد والأسس والتراكيب التي توصّل إليها كل من المعماري والفنان المسلم، وأمكنه من خلالها حلّ مشاكل البناء بحلول فعّالة، متوائمة تماما مع عقيدته الدينية السمحة، وبما يحافظ على القيم والتقاليد الاجتماعية، وتوظيف معطيات بيئته، أو جلب ما لم يكن متوافرا في بيئته، وتصنيعه وتعديله حتى يتوافق مع قيمه وبيته.
ولقد حقق معالجة فعالة في مجال تقنين الضوء باستخدام "المشربية" أو "الروشان" أو "الشنشنيل" وكذلك نوافذ الزجاج المعشّق بالجصّ. كما تمكن من تحقيق المحافظة على الحياة الجوّانية التي يحياها الإنسان المسلم في بيته وبيئته المكانية، من خلال مواصفات خاصة حققها معماريا. وتجلّت واضحة في الفناء الداخلي لمنـزله وسكناه.
ونلاحظ أن الفناء الداخلي في البيت العربي تتجلى فيه معالجة معمارية تحجب الساكن عن جميع تقلبات الطبيعة وتترك له التمتع بالسماء وحدها، سماء الشرق وصفائه وسحره وروعته. فإن فكرة الفناء الداخلي نابعةٌ من بذور الفكر الشرقي واستجابةٌ صريحة لمقتضيات المناخ الشرقي. إن الفناء الداخلي أو الحديقة الخاصة التي يتجمع فيها أهل البيت تقوّي من الروابط الأسرية وتزيد بالتالي الشعور بالانتماء للأرض والمجتمع، ويعتبر مسكنًا مريحا يشعر فيه بالخصوصية وتوفير حديقة خاصة أو فناء خاص بكل مسكن حيث ينمو الشعور بالجيرة، ومراعاة الجار، وبالتالي الإحساس بالانتماء.
وكان الفناء في الأغلب يحتوي على فسقية داخل الحديقة، في أشكال هندسية مثمّنة داخل مربّع، وإن شكل الفسقية هذا لم يأتِ صدفة، وإنما اختير -كما يقول أحد الباحثين- لقيمة رمزية؛ فالمنـزل بالنسبة للمسلم كان عبارة عن تكوين صغير، وباستخدام الرمز والعناصر المعمارية للتعبير عن نظرته الكونية كان يعتبر القبة رمز السماء، ولهذا ولكي يشد قبة السماء إلى وسط الدار ويجعل قدسيتها تتسرب إلى الحجرات، فإنه عمِل الفسقية على شكل القبة الساسانية مقلوبة لتنعكس السماء الحقيقية على أسطح المياه في هذه السماء الرمزية.
هكذا توصل البدوي العربي إلى إدخال الطبيعة والكون اللذين كان دائم الاتصال بهما في حياته البدوية في الصحراء إلى البيت الحضري بواسطة الرمز وتحويل الطبيعة إلى عناصر معمارية، غير أن المعماريين يعتبرون تدفق المياه من نافورة أو سلسبيل هو في حد ذاته رمز للحياة التي يتأملها الإنسان، إضافة إلى أنها تساعد على ترطيب الجو والهواء.
المشربية أشكالها وخصوصيتها
وقد تميز البيت المصري في العصر الإسلامي -مثلا- بوجود مشربية، تسمح بدخول الهواء ولا تسمح بدخول أشعّة الشمس، وعادة ما توضع المشربيات لتغطي المسطح الخارجي للشبابيك أو البَلْكونات أو الشمعة التي تستعمل للجلوس في الداخل والتمتع بالخصوصية، وتلطيف الرياح دون التعرض لأشعّة الشمس. وتعتبر المشربية مظهرا من مظاهر العمارة الإسلامية جاء متوافقا مع الظروف المختلفة للمجتمع الإسلامي.
والمقصود بالمشربية ذلك الجزء البارز عن سمت حوائط المباني التي تطل على الشارع أو على الفناء الأوسط للمنازل الإسلامية بغرض زيادة مساحة سطح الأدوار العليا. ويستند هذا الجزء البارز إلى "كوابيل" و"مدادات" من الحجر أو الخشب تربط الجزء البارز من المبنى، بينما تُغطّى الجوانب الرأسية الثلاثة لهذا الجزء البارز بحشوات من الخشب الخرط المكوّن من "برامق" مخروطية الشكل دقيقة الصنع تجمع بطريقة فنية بحيث يَنتج عن تجمعها أشكالٌ زخرفية هندسية ونباتية أو كتابات عربية.
وسميت المشربية بهذا الاسم لوجود صلة وثيقة بين هذا الجزء من المبنى وبين أواني الشراب (القلل الفخارية) التي كانت توضع بها. وتعرف المشربية في بعض بلدان العالم الإسلامي باسم "روشن أو روشان" وهي تعريب للكلمة الفارسية "روزن" وتعني الكوّة أو النافذة أو الشرفة.
وقد وصل فن المشربية إلى درجة كبيرة من الإتقان في مصر خلال العصر المملوكي، ويظهر ذلك بوضوح في القطوع الخشبـي المنقول من مدرسة السلطان حسن إلى متحف الفن الإسلامي بالقاهرة وفي مجموعة المشربيات في منـزل "زينب خاتون" وغيرها.
وتستعمل المشربيات، التي هي معالجة مصرية إسلامية، في الجزء السفلي من السكن لكسر حدة الضوء وتوفير الخصوصية، أما الأجزاء المرتفعة فتستعمل لها مشربيات أوسع تساعد على التهوية. ومما هو جدير بالذكر أن الوحدات المختلفة لهذه المشربيات، أو بمعنى أدقّ لهذه المقاسات المطلقة لا يمكن تكبيرها أو تصغيرها، حيث إن هذه المشربيات تستعمل لكسر حدّة الضوء الناتج عن شدة الإضاءة. وقد عجز معماريو الغرب عن تفهم عمق الحلول المعمارية في الشرق، فاقتبسوا أشكالها دون جوهرها؛ فأتت استعمالاتهم لأشكالها -كما يقول باحث معاصر- إلى عكس الغرض منها، فزادت حدة الضوء في كثير من الحالات.
والمشربية تبرز عن البناء إلى الأمام كلها من الخشب الأرابيسك، تَحظى بالدقة والمهارة في صنعها وزخرفتها، كما تحجب السكّان عن عيون المارة بتوزيع الضوء والظل على تكوينها في تدرج رائع، يعلوها طاقات من الزجاج الملوّن المعشق.
وقد ظهرت المشربية في العمارة الإسلامية مرتبطة بالخصوصية، وأخذت أشكالا عدة، وتطورت تطورا كبيرا؛ ففي القصور أخذت شكل المقصورات التي تطل على "التختبوش" وهي الجلسات الخاصة حول الحديقة الداخلية بنافوراتها وطيورها.والمقصورة قد تكون مثلثة الشكل أو مربعة أو مستطيلة أو دائرية، وتظهر في الوكالات والخانات التي لا زالت موجودة حتى الآن كوكالة الغوري وخان الخليلى.
وهذا الشكل من البلكونات أو المشربيات يعتبر صبغة معتدلة في العمارة الإسلامية إذ تحفظ الخصوصية، وتعطي للساكن حرية الرؤية والمشاهدة، وخاصة في الخانات والوكالات التي كانت تعتبر سكنا جماعيا للأغراب وغيرهم. كما أنها تعمل على تلطيف درجة الحرارة من خلال النسيم الذي يمرّ من بين هذه الفتحات، خاصة وأن التكوين الهيكلي والزخرفي للمشربية يتفق تماما مع الظروف المناخية لمعظم بلدان العالم الإسلامي والذي تسوده في معظم فصول السنة شمس ساطعة.
وتعد المشربية من أحسن الحلول لهذه المظاهر الطبيعية، إذ إن الفتحات الضيقة التي تتخلل قطع الخرط تتحكم في كمية الضوء النافذ إلى الغرفة المقامة عليها المشربية، وتعمل بذلك على تلطيف درجة الحرارة. ومن اللافت للنظر أن المشربية كانت تُصنع من أخشاب لها خواص معينة تمتص الرطوبة، وتمنع زَغْللة العينين، بل من خلال التحكم في "دانْتيللا" المشربية يمكن التحكم في حركة الهواء، ومعالجة الإضاءة في المناطق الشديدة الحرارة.
ومن الجدير بالذكر أن طريقة المشربية كنوافذ للتهوية والإضاءة تمثل جانبا اقتصاديا مهمّا، فقد كانت الأجزاء الصغيرة المتبقية من عمل الأسقف والأبواب والنوافذ وغيرها من وحدات البناء التي تعتمد على الخشب تستغل في تصنيع المشربية، كما أن الاعتقاد بارتفاع تكلفة المشربية أمكن التغلب عليها باستخدام خامات بديلة رخيصة الثمن، مثل خشب النخيل بعد معالجته بالمواد التي تقاوم الحرارة والرطوبة.
.. يتبع ..