ثالثًا: الأبنية بين الاسمية والفعليَّة
المغايرة بين الاسم والفعل في التَّركيب، طريقة من طرق التَّلوين في الخطاب ففي القرآن الكريم أبنية متماثلة من حيث الاسميَّة والفعليَّة، فترد في موطن بالصِّيغة الاسميَّة، وفي موطن آخر بالصِّيغة الفعلية. يقول عبد القاهر الجرجانيُّ وهو يتكلم على الفرق بين الإسناد إذا كان بالاسم وبينه إذا كان بالفعل: "وبيانه أنَّ موضوع الاسم على أن يثبت به المعنى للشَّيء من غير أن يقتضي تجدُّده شيئًا بعد شيء. وأمَّا الفعل فموضوعه على أن يقتضي تجدُّد المعنى المثبت به شيئًا بعد شيء. فإذا قلت: زيدٌ منطلقٌ فقد أثبت الانطلاق فعلاً له من غير أن تجعله يتجدَّد ويحدُث منه شيئًا فشيئًا، بل يكون المعنى فيه كالمعنى في قولك: زيدٌ طويل وعمرو قصير فكما لا يقصد ههنا إلى أن تجعل الطُّول أو القصر يتجدّد، ويحدُث بل توجبهما وتثبتهما فقط وتقضي بوجودهما على الإطلاق، كذلك لا تتعرض في قولك: زيدٌ منطلق لأكثر من إثباته لزيد. وأمَّا الفعل فإنَّه يقصد فيه إلى ذلك، فإذا قلت: زيد هاهو ذا ينطلق فقد زعمت أنَّ الانطلاق يقع منه جزءًا فجزءًا وجعلته يزاوله ويزجيه"[135].
ويقول الفخر الرازيُّ: "الاسم له دلالة على الحقيقة دون زمانها، فإذا قلت: زيد منطلق لم يُفِدْ إلا إسنادَ الانطلاق إلى زيد. وأمَّا الفعل فله دلالة على الحقيقة وزمانها، فإذا قلت: انطلق زيدٌ أفاد ثبوت الانطلاق في زمان معين لزيد، وكلُّ ما كان زمانيًّا فهو متغير، والتَّغيُّر مُشْعِر بالتَّجدد، فإذن الإخبار بالفعل يفيد وراء أصل الثُّبوت كون الثَّابت في التَّجدد والاسم لا يقتضي ذلك"[136].
وإذا كان المراد إفادة التَّجدُّد كان المسند فعلاً، وأمَّا "الحالة المقتضية لكونه اسمًا فهي: إذا لم يكن المراد إفادة التَّخصيص بأحد الأزمنة الثَّلاثة إفادة الفعل لأغراض تتعلَّق بذلك"[137].
فإذا كان هناك آيات قرآنيَّة وردت فيها مفردات بالصِّيغة الاسميَّة وفي نظائرها بالصِّيغة الفعليَّة، فلابد أن يكون هناك سبب للتَّخصيص بحيث لا يُمكن أن تقع مفردة مكان نظيرتها، ولو وقعن لاختلَّ النَّظم.
وسنحاول في النُّصوص الآتية تحليل الفرق في المعنى عند المغايرة بين الاسم والفعل في الأبنية المتماثلة:
أ- بين الفعل المضارع واسم الفاعل: وردت الصِّيغتان يُخرج ومُخرِج في سياق قوله تعالى:
﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾
[الأنعام 95]
حيث جاء المعطوف فيها اسمًا مُخرج وفي سياق قوله تعالى:
﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾
[يونس 31، والروم 19]
حيث جاء المعطوف فعلاً ويخرج. وقد ظهرت المغايرة في السِّياقين في أحوال المسند بين صيغتي الفعل والاسم وهذه المغايرة تمثِّل في النَّص نوعًا من أنواع التَّرابط؛ لأنَّ الأصل أن يعطف الفعل على الفعل، والاسم على الاسم. وقد اختلفتْ نظرة اللُّغويين والمفسِّرين في توضيح تلك المغايرة في قوله ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾، أهو معطوف على الفعل الذي قبله أم على اسم الفاعل في: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾؟ فذهب الأكثرون منهم إلى أنَّه معطوف على اسم الفاعل فالق الحب وهذا ما أفصح به الخطيبُ الإسكافيُّ[138]؛ اعتمادًا على السِّياق اللُّغويِّ السَّابق في قوله: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ﴾ واللاَّحق في قوله: ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام 96]، وعدَّ ذلك من باب التَّناسُب والتَّناسق اللَّفظيِّ في التَّركيب. وعلى غرار هذا الإفصاح يأتي الزمخشريُّ متسائلاً: "كيف قال: ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ بلفظ اسم الفاعل، بعد قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾؟ قلت: عطفه على ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ لا على الفعل. و﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ موقعه موقع الجملة المبنيَّة لقوله ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾؛ لأنَّ فلق الحبِّ والنَّوى بالنبَّات والشَّجر النَّاميين من جنس إخراج الحي من الميت؛ لأنَّ النَّامي في حكم الحيوان، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم 19]"[139]. ويجاري الإسكافيَّ والزمخشريَّ في تحليلهما: الكرمانيُّ[140]، وابن جُمَّاعة[141]، والأنصاريُّ[142]. ونقل ابن الزُّبير الغرناطي[143] قول الزمخشريِّ وعدَّه من حسناته، كما نقله النَّسفيُّ[144]، وأبو حيَّان[145]، وأبو ريَّان[146]، واقتصر العزّ بن عبد السلام[147] على هذا الوجه ولم يُجز غيره، فلا يجوز عطف الاسم على الفعل. وذكر السَّمين الحلبيُّ[148] وجهين في اسم الفاعل مخرج: الأوّل: ما تقدَّم من كونه معطوفًا على فالق، والثَّاني: أنَّه معطوف على يخرج ويؤول الفعل حينئذ بالاسم، واستدلَّ بقول الشَّاعر[149]: فَأَلْفَيْتُه يَوْمًا يُبِيرُ عَدُوَّهُ ومَجْرٍ عَطَاءً يَسْتَخِفُ المعَابِرا أي: مُبِيرًا. وقول الآخر[150]: بَاتَ يُغَشِّيها بعَضْبٍ بَاتِرٍ يَقْصِدُ فِي أَسْوُقِها وَجَائرُ أي: قاصد. وقد اختلفت نظرة الرّازيّ[151] عن سابقيه في بيان نكتة المخالفة بين اسم الفاعل والفعل المضارع، وأفاد أنَّ لفظ الفعل يدلُّ على اعتناء الفاعل بذلك الفعل في كل حين وأوان، وأمَّا لفظ الاسم فإنَّه لا يفيد التَّجدُّد والاعتناء به ساعة فساعة، ومثال ذلك قوله تعالى:
﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾
[فاطر 3]،
فقوله: يرزقكم جاء فعلاً؛ ليفيد أنَّه يرزقهم حالاً فحالاً وساعة فساعة، وأمَّا الاسم فمثل قوله سبحانه:
﴿وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾
[الكهف 18]،
فاسم الفاعل باسط يدلّ على الثَّبات والبقاء على تلك الحالة. ويؤكد الرازيُّ هذه المناسبة بين الاسم والفعل، وهي أنَّ: "الحيّ أشرف من الميت فوجب أن يكون الاعتناء بإخراج الحيّ من الميت أكثر من الاعتناء بإخراج الميت من الحيّ؛ فلهذا المعنى وقع التَّعبير عن القسم الأول بصيغة الفعل، وعن الثَّاني بصيغة الاسم؛ تنبيهًا على أنَّ الاعتناء بإيجاد الحيِّ من الميت أكثر وأكمل من الاعتناء بإيجاد الميت من الحيّ"[152].
ويستغل ابن عاشور هذا التَّحليل ويعلِّله بأنَّ: "أحد الإخراجين ليس أولى بالحكم من قرينه...."[153].
وقد استخلص ابن أبي الأصبع دلالة أخرى من هذا التَّلوين قال: "وأمَّا قوله يخرج الحي بلفظ الفعل عند تقديم إخراج الحيِّ لِمَا في الحيِّ من الحركة التي تعينه عند الخروج، فخروجه أسهل على مخرجه من خروج الميت من الحي، فاقتضت البلاغة تقديمه بلفظ الفعل المقتضي للحال والاستقبال؛ ليكون ذكر خروج الميت بعده انتقالاً من الأدنى إلى الأعلى، وجعل خروج الميت مستندًا إلى لفظ الفاعل المضاف الدّال على المضيّ؛ ليكون خروج الأصعب مفرعًا من وقوعه؛ ليكون أدلّ على القدرة وأبلغ في التمّدح"[154]. ويفصح الدكتور فاضل السَّامرائي[155] بدلالة أقرب إلى تحليل الرازيّ وإشارة ابن أبي الإصبع، حيث أفاد أنَّ الفعل يدلُّ على الحدوث والتَّجدُّد، وأمَّا الاسم فيدلُّ على الثُّبوت، فاستعمل الفعل يخرج مع الحيّ؛ لأنَّ أبرز صفات الحيِّ الحركة، واستعمل الاسم مخرج مع الميت؛ لأنَّ الميت في حالة همود وسكون وثبات. ومن الصِّيغ التي تتغاير بين الاسميَّة والفعليَّة في سياقهما، صيغتا: أنصح وناصح فهاتان الصِّيغتان كلتاهما وردتا في قصتين مختلفتين الأولى في سياق قصة نوح - عليه السلام - في قوله تعالى:
﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ﴾
[الأعراف 62]،
والثَّانية في سياق قصة هود - عليه السلام - من قوله تعالى:
﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾
[الأعراف 68].
جاء التَّركيب الأوَّل باستعمال المسند فعلاً: أنصح لكم، وفي التَّركيب الثَّاني جاء المسند اسمًا: ﴿وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾، فما سرُّ المغايرة بين البناءين؟. يُرجع الخطيبُ الإسكافيُّ[156] وجه المغايرة إلى أنَّ نوحًا ضُلِّل من قومه، قال تعالى:
﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾
[الأعراف 60]،
وأمَّا هود فَسُفِّه من قومه، قال سبحانه:
﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾
[الأعراف 66]،
والضَّلال من صفات الأفعال! والسَّفاهة من صفات النَّفس، وهي معنىً ثابت وضدها الحلم، فلمَّا عيب نوح - عليه السلام - بفعل مذموم نفاه بفعل محمود بل بأفعال محمودة. وأمَّا هود - عليه السلام - فَرُمِي بالسَّفاهة، وهي صفة مذمومة ثابتة فلا يَتحوّل عنها الإنسان سريعًا، فكان المناسب نفي ذلك بصفة أو صفات ثابتة ناصح أمين، أي ثابت في النُّصح لا أنتقل عنه إلى غشًّ. وأقرب من هذا التَّوصيف لتلك المغايرة ما ذهب إليه ابن جُمَّاعة[157] حيث ذكر أنَّ الضَّلال صفة غير ثابتة فيمكن الخلوص منه سريعًا، وهو يتجدَّد بترك الصَّواب إلى ضده فقُوبل في قول نوح - عليه السلام - بفعل يناسبه وأنصح. وأمَّا هود فقد اتُهم بالسَّفاهة، وهي من الصِّفات اللاَّزمة لصاحبها فقابلها بصفة ثابتة كذلك ناصح أمين. كما أدرك الفخر الرازيُّ دلالة التَّلوين بين الفعليَّة والاسميَّة على التَّجدُّد والثَّّبات "فلمّا كان من عادة نوح - عليه السلام - العود إلى تجديد تلك الدعوة في كل يوم، وفي كل ساعة لا جرم ذكره بصيغة الفعل فقال: وأنصح لكم. وأمّا هود - عليه السلام - فقوله: وأنا لكم ناصح يدلُّ على كونه مثبتًا في تلك النَّصيحة مستقرًا فيها"[158]. وعلى طريقة الرَّازيِّ في توصيفه يأتي ابن الزُّبير الغرناطيُّ موضحًا الفارق الأساس بين الفعليَّة والاسميَّة في الاستعمال فذكر أنَّ نوحًا في سياق الآية الأولى "بيَّن لهم نصحه واستمراره في إبلاغهم ونصحهم فقال: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ﴾، ثُمَّ أتبع بتعريفهم بجهلهم بما عنده من ربه وبعلمه هو بذلك فقال: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾، وإنَّما قال: وأنصح، وأعلم؛ ليعلم بتماديه على النُّصح لهم وهم لا يشعرون ولا يهتدون... وأمَّا جواب هود - عليه السلام - فإنَّما أتى في إخبارهم بنصحه وأمانته بالاسم فقال: ناصح أمين، ولم يقل أنصح فيأتي بالفعل؛ ليحصل منه أنَّ ذلك الوصف الجليل لازم له غير مفارق، ولم يكن الفعل ليعطي ذلك، فجاء بالاسم وجعله الخبر عن ضميره الذي هو أنا"[159].