ماريو روسي
معماري إيطالي

ماريو روسي مهندس إيطالي معماري ولد في مدينة روما في العام 1897م .
قدم ماريو روسي إلي مصر في بداية مرحلة شبابه أوائل العشرينيات من القرن العشرين عندما استقدمه الملك فؤاد الأول ليعمل في وزارة الأشغال المصرية ليشرف علي القصور الملكية .
امتزج ماريو روسي في الحياة المصرية سريعاً ونهل من معينها وتغلغل ماء النيل في أوردته وشرايينه ليشب عاشقاً لثري هذا الوطن الجميل واعتنق ماريو روسي الدين الاسلامي وظل في مصر لا يبارحها حتي توفاه الأجل في عام 1961م .
خلف ماريو روسي من بعده تراثاً معمارياً وعلمياً لا يضارع ، كما ترك جيلاً من الذين تتلمذوا علي يديه وحملوا من بعده لواء العمارة المساجدية في مصر من أمثال المهندسين النابهين علي ثابت وعلي خيرت اللذان سطرا صفحات زاهرة من من تاريخ هذا الفن الجميل في مصر المعاصرة .
أنفق ماريو روسي جل عمره لتتجلي لنا عبقريته الفذة واستغرق منه ذلك زمناًً في مجاله يبحث وينقب ويصمم فأخرج لنا إبداعاً عظيماً ظل شاهداً علي نبوغه وسيبقي إلي ما شاء الله .
كان التشييد المعماري للمساجد حتي منتصف القرن التاسع عشر مقصوراً علي الضروري فقط في هذا المجال يعود ذلك إلي حالة الفقر من ناحية وإلي التناقص في عدد السكان من ناحية أخري في بلاد مثلمصر والشام ولم يكن الناس في حاجة إلي إنشاء مساجد كبيرة جديدة .
ولكن الأمر تغير تماماً ، فبعد وصول فؤاد إلي سدة الحكم حتي تبدلت الأمور تماماً ونهضت الطبقة المتوسطة بظهور جماعات الأعيان مما أدي إلي زيادة الاهتمام والرغبة في إنشاء المساجد .
بدا الاهتمام جلياً وواضحاً في البدء بالعناية بمسجد الرفاعي القديم ليكون روضة للبيت الحاكم في مصر ، ويرجع الفضل فيما يزخر به هذا الصرح من جمال معماري وثراء فني إلي تلك العبقرية الصادقة التي تحلي بها المهندس الفنان ماريو روسي ، ولو اقتفي احد من خلفاء محمد علي الكبير قد اقتفي أثره لأرتفع شأن هذا الفن البديع الذي اتصف به عالم العمارة المساجدية علي كافة الأصعدة .
ظهرت عبقرية ماريو روسي واضحة في قيامه بإنشاء وبناء مسجد العارف بالله أبي العباس المرسي في مدينة الأسكندرية ، واستغرق البناء مدة ست عشرة سنة ليرتفع صوت الحق منادياً " الله اكبر" من المسجد الشهير الذي اقيم في موضع ضريح وجامع قديم كان يضم رفات هذا الصوفي العربي الأندلسي المولود في بلدة " مرسية " شرقي الأندلس ذلك الفردوس المفقود ، واقيمت أول صلاة فيه عام 1945م.
وبعد سنوات وسنوات قضاها ماريو روسي في دراسة فن العمارة الإسلامية المصرية واستيعابها حتي شرع في بناء مسجد هيئة منحني اقتبس هيئته من عن البفنان المعماري العثماني سنان بن عبد المنان بن عبد الله الذي اتخذ الشكل المثمن أو المسدس في تصميم عمائره
وبينما كان سنان يتحري هذا الشكل لكي يقيم قبابه الكبري علي أضلاع المسدس أو المثمن نجد أن روسي يدع مجالاً واسعاً للسقف ثم ينشئ قبة مسجد أبي العباس المرسي في المنتصف قائمة علي دعامات حجرية ملبسة بالرخام وترك روسي خارج المثمن رواقاً يدور مع بيت الصلاة والمسجد كله بيت صلاة أي أن روسي استغني عن الصحن في مسجد أبي العباس واستعاض عنه عند بنائه مسجداً آخر بمحطة الرمل ببيت صلاة مستقل وملحق بالجامع وذلك مما سيورد ذكره بعد.
فقبة مسجد أبي العباس ترتفع سامقة عالية عن الأرض بما يقرب من ستة وعشرين متراً وهي من الداخل تمثل قطعة من الفن المعماري البديع حيث تتدلي منها ثريا ضخمة تضارع تلك الموجودة في مسجد محمد علي باشا بقلعة صلاح الدين الأيوبي .
فالثريا التي تحوي بضعة أطنان من البرونز والنحاس والبلور ، ولكي تتحملها القبة فقد أرسي ماريو روسي علي قاعدتها ثمانية أعمدة من الجرانيت الوردي تم نحته في لإيطاليا خصيصاً ليحمل بعدها إلي موقع المسجد.
والقبة من الخارج مزخرفة بزينة منحوتة في الحجر وهي علي رأي الدكتور حسين مؤنس في كتابه عن المساجد تعد من أجمل القباب التي أقيمت في مصر بأسرها ، وعلي أعمدة المسجد تقوم عدة عقود بالغة الارتفاع مدببة .
ويعد هذا الطراز من ابتكارات روسي نفسه وقد اقتبسه وطوره من بعد ذلك في مسجد رسول الله صلي الله عليه وسلم في المدينة المنورة في القسم المجدد زمن الملك عبد العزيز رحمه الله ، وقد ابتكر روسي العديد من تيجان الأعمدة وقواعدها المحلاة بالبرونز وسري من بعد ذلك اقتباسها في العديد من المساجد .
ويعد محراب مسجدنا هذا من أجمل المحاريب في المساجد حيث يزيد ارتفاعه عن ارتفاع المنبر ألي جواره ويتميز بإطار من الرخام المزين بالفسيفساء والتجويف الفريد في بابه .
أما المئذنة فهي تمثل طفرة جديدة من حيث الارتفاع
فقد استعان روسي عند وضع تصميمها بأن جعل من الجزء الأسفل منها له أربعة أضلاع لتستمر بعد ذلك المئذنة في الارتفاع مستديرة .
وقد كانت لتصميمات روسي التي وضعها في هذا المسجد نقطة تحول في مسيرة عمارة المساجد في مصر منها إلغاء صحن الجامع بسبب صغر مساحة الأراضي المخصصة للبناء ، ولكن ذلك لم يؤد بطبيعة الحال إلي تقليل أعداد المصلين ، ففي الحقيقة أن صحن أي مسجد يستعمل في أيام صلوات الجمع والأعياد حيث يستلزم الأمر حين يمتلئ المسجد بالمصلين أن تمتد صفوفهم خارجه وربما من حوله .
وهنا نجده للمرة الأولي في تاريخ العمارة الإسلامية المساجدية كيف أن المعماري قد استطاع الاستفادة من المساحة المتاحة له علي أحسن صورة ممكنة .
ومن النقاط الرئيسية التي بدأت مع بناء هذا المسجد وتصميمه أن نجد العناية لأول مرة بفن التوريق او الأرابك يعود من جديد ، ولنا أن نذكر أن محمد علي في مسجده بالقلعة لم يهتم بمثل هذا الفن وكان قليلاً في الأهمية المعمارية بالنسبة له .
وقد أبدع روسي في استخدامه للتوريق في مسجد أبي العباس المرسي بالداخل والخارج علي حد سواء ، كما استخدمه في تصميم النوافذ ، وكذلك استخدم روسي القباب الزخرفية وهو فن عرفه الأتراك عند إنشاء مساجدهم ، لكن ماريو روسي ابتكر قباباً كاملة وصغيرة الحجم في أركان سقف المسجد .
وما أن انتهي ماريو روسي من تشييد هذا المسجد حتي شرع فيما بين أعوام 1948م ـ 1951م في غنشاء مسجد ثان في مدينة الأسكندرية أيضاً وهو مسجد محطة الرمل الذي يعد هوالآخر درة في عالم العمارة المساجدية المعاصرة .
وقد واجه روسي في أول الأمر مشكلة وجود هذا المسجد وسط مبانٍ عالية ، ووجد أنه من الممكن أن يختفي المسجد عن العيون ولو قليلاً ، لذا تعمد روسي أن يرتفع ببناء المسجد عالياً بقدر لتستقر عليه العين ، ثم جعل روسي من منتصف جدار القبلة مئذنة تطفو نحيلة أنيقة لتمضي نحو السماء حيث تشرف مئذنتها علي المباني المجاورة ، واستطاع روسي أن يمهد لتلك الطفرة العالية بصفوف من النخيل أحاط بمثلها مسجد أبي العباس المرسي .
ولم يأت روسي بتحقيق هذا الارتفاع من فراغ فقد أدي ذلك إلي إطالة المسافة بين شرفة الأذان الأولي والشرفة الثانية واستمرت المئذنة في صعودها حتي انها جاوزت المألوف .
ثم عاد روسي وأنشأ " الجوسق " متوجاً إياه بعمامة بيضاء الهيئة ، وتعد تلك المئذنة نوعاً من الجرأة التي استندت علي حساب علمي معماري دقيق وهي في هيئتها وحسن استخدام روسي لكل ما تيسر له من عناصر المعمار والزخرفة المصرية باشكالها وهيئاتها .
ولعلنا نجد أن المسجد من الداخل يبدو مظلماً بعض الشئ مما قد يثقل الأمر علي نفس المصلي خاصة عند الدخول حيث النور الباهر في الخارج ، ومن ثمة لا يمكن تبين مدي جمال القبلة أو المنبر ، فاستعاض روسي بذلك فابتكر قبة هي في حد ذاتها درة من الدرر المعمارية فهي ليست عميقة الجوف ولكنها تشبه صحناً عميقاً مقلوباً ، وترتكز القبة علي أربع محارات في الأركان ومن مركزها تمتد عدة زخارف علي هيئة أشعة صادرة من مركز القبة وهي ذات ألوان حمراء وسوداء وذهبية ، أما أرضيتها ففيها قمريات تتيح من الضوء ما يجعلنا نتأمل وبعمق مدي ماتنفرد به من جمال القبة وهي تغطي بيت الصلاة بأسره .
يستوقفنا محراب المسجد فإذا هو بديع حيث يبدو للناظر إليه مثل طاقية ذات عقد مدببة ، ومن يطيل النظر إليها يجد أن روسي العبقري الفنان قد اقتبسها من بعض مساجد شارع المعز لدين الله الفاطمي بالقاهرة ، وبانت براعة الفنان ليست في اقتباس الأصول فقط بل في قدرته علي تحويرها ومنحها الأشكال الجديدة .
بعد ذلك لم يقف ماريو روسي بل استمر في مسيرته العظيمة بخطي ثابتة ، واستطاع أن يفتح باباً واسعاً في مجال تجديد وبناء المساجد وتجلي ذلك واضحاً عندما قام علي إنشاء مسجد السيد محمد كريم ثالث المساجد التي بناها في ثغر الإسكندرية .
ومسجد السيد محمد كريم يقوم علي مرتفع قرب قصر رأس التين ويعد هو المصلي للقصر استخدم روسي فيه عند بنائه مهارته في الاستفادة من المساحة المتاحة له أحسن استخدام فجعل للمسجد مدخلاً بديعاً بارزاً ، فيه ثلاثة أبواب ، ورفع جدرانه علي شكل مستطيل الهيئة وجعل القباب الزخرفية علي أركان السطح الأربعة قباباً حقيقية ذات أجواف ليهيئ للعين بعد ذلك أن تري القبة الكبري التي تقوم فوق بيت الصلاة وهي قبة ذات رقبة علي هيئة عقود وأعمدة .
والناظر إليها من داخل المسجد يري عجباً ، فقد فتح في أعلاها شبابيك وفتحات تجعلها علي هيئة زهرة أو نجمة ذات ثماني أذرع تحيط بدائرة أشبه بقرص الشمس وهي قبة يندر أن يكون له مثيلاً بين مساجد الإسلام قاطبة .
أما مئذنة المسجد فهي ابتكار جديد في شكلها ، لكن ثمة مشكلة واجهت روسي عند تنفيذها
فقد صمم المئذنة طويلة منسرحة مثل مئذنة جامع ابراهيم القائد ، لكن مصلحة المواني والمنائر اعترضت علي ذلك لأن وضع المئذنة علي تلك الصورة ربما يؤدي إلي أن تختلط الأمور علي السفن الداخلة إلي الميناء ، حيث أن منارة الأسكندرية تقع بالقرب من مكان المسجد ورأت أن ثمة ضرورة تدعو إلي تقصيرها حتي لا تكون في طول المنارة ، مما حدا بروسي لأن يرضخ للأمر واستغني عما كان قد أزمع في عمله فوق شرفة الأذان فأنشأ بدلاً من ذلك جوسقاً مغطي أشبه بالخميلة فوق شرفة الأذان مقتبساً هيئته من العمارة الهندية ، وكان هذا الحل ابتكاراً فريداً بأن يجعل هذه المئذنة علماً من أعلام عمارة المآذن في مصر .
أما فوق هذا الجوسق فقد وضع العمامة علي هيئة قبة ، وقد اقتبس الكثير من المعماريين هذه الهيئة بعدئذ .
لم يكتف ماريو روسي ببناء المساجد وتشييدها في الأسكندرية فقط بل امتد عمله غلي العاصمة ليعلي مآذنها ويبني صروحها المساجدية فقام ببناء مسجد عمر مكرم الشهير في ميدان التحرير قلب العاصمة القاهرة والثاني هو مسجد الزمالك علي ضفاف نهر النيل ، وقد أنشأهما روسي وهو في سن متأخرة .
وتجلت عبقرية روسي واضحة في بناء مسجد الزمالك ، فقد وضع روسي بناء المسجد علي قاعدة مرتفعة يصعد إليها بسلالم عريضة من الرخام ، أما الواجهة فهي فسيحة مشرفة ذات عقود وأعمدة ، أما داخل المسجد فنجد أجمل بيوت الصلاة في القاهرة حيث الصفاء والانسجام والتوازن والإيوان الأوسط المؤدي لإلي المحراب يمثل محوراً معمارياً .
وحين سعي روسي لإنشاء مسجد عمر مكرم جعله مميزاً عن كل ماسبقه من الانشاءات المساجدية في مصر ، إذ تميز هذا المسجد بإستخدام روسي للستائر الجصية ذات الزخارف العربية واستطاع أن يحول بعض أجزاء من جدرانه إلي شكل هذه الستائر التي يتميز البناء فيها بالشكل المخرم حتي لتبدو مثل قطعة من الدانتيل ، وبعد ذلك انتشرت تلك الأشكال إلي حد كبير وصل إلي حد الإسراف .
علي أننا يجب أن نذكر بالخير هذا الفنان العبقري الذي أثري حياتنا بقدراته الإبداعية في العمارة المساجدية بمصر ، فقد استطاع خلالها أن يورث فنه لتلاميذ ساروا علي دربه فأنشأوا العديد من المساجد التي تميزت بالكثير من الروعة والجمال مثل مسجد عهبد الرحمن لطفي في مدينة بورسعيد ومسجد الفولي بمدينة المنيا ومسجد سيدي عبد الرحيم القنائي بمدينة قنا ومسجد صلاح الدين بحي المنيل عند كوبري جامع القاهرة الذي يعد تحفة معمارية غاية في النسق والجمال وقد وضع تصميمه المهندس المصري علي خيرت وهو أحد تلاميذ باولو روسي النابهين .
فقد استخدم خيرت الكثير من ابتكارات أستاذه مثل حُسن استخدام المسافة وتوازن جميع أجزاء المبني وبإستخدام القباب الزخرفية إلي جانب القبة الوسطي الرئيسية وهي علي نفس خطوط القباب المملوكية التقليدية ولكن بعد تجديدها وتطويرها علي يد المهندس الفنان ماريو روسي رحمه الله .
وعلي نفس الخطي التي رسمها ماريو روسي نجد العديد من المساجد التي انشئت في كافة ربوع الوطن المصري قد حذت حذو تلك العمارة المساجدية تفيض بجمالها من هذا الطراز ومنها مسجد أحمد يحيي باشا بالقرب من فندق سان ستيفان وهوعلي مرمي حجر من قصر الأمير محمد علي الذي كان ولياً للعهد في مصر قبل أن ينجب فاروق ولداً ، ويتميز هذا المسجد بواجهة مزينة بزخارف جصية ذات ألوان هادئة قريبة من ألوان الباستيل ، والمسجد من الداخل فسيح مشرق تقوم من فوقه قبة ترتكز علي عدة أعمدة من الرخام المصري نحتت علي غرار قصر الحمراء في غرناطة ، ومن أجمل مايمكن رؤيته داخل هذا المسجد الجميل ثريتان تحفان بالمحراب من الجانبين .
وهناك في مصر العديد من المساجد العامرة يُرفع فيها الأذان للصلاة في بلد حباها الله علي الدوم وأنعم عليها بالأمن والأمان وجعلها موئلاً وملاذاً وصرحاً متينا من صروح الإسلام وحصونه .
وفي النهاية يجب الإشارة إلي أن صاحب هذه السيرة العطرة قد أمضي سنوات عديدة من أجل أن يقدم لنا أطلسه الشهير عن العمارة والزخارف الإسلامية جمع فيه مادة خصبة عن عمارة المساجد وزخارفها ، ولكن هذا الكنز مازال موجوداً في وزارةالأوقاف المصرية مرجعاً يعود إليه كل معماري تتوق نفسه للنهل من هذا المعين